أدبي

عنصر الفكر في النص الأدبي

مقال نقدي

عنصر الفكر في النص الأدبي

بقلم: مصطفى نصر

أثبتنا في المقال السابق وجود عنصر أساسي في الأدب هو عنصر الفكر،

لكنا أوضحنا أن الجانب الفكري في النص يجب أن يكون بسيطًا لا مركبا،

كما هو الحال في الأسلوب العلمي القائم على الحقائق والأرقام والمصطلحات،

بل هي فائدة فكرية يتلقهاها المتلقي ضمنًا، في إطار الصياغة الفنية الجمالية المؤثرة

دون أن يقف الأديب كالواعظ أو الخطيب في نصه، كما شرحنا سابقًا.

وهنا دار جدل كثيف حول موقف القرآن الكريم من الشعر في قوله تعالى:

 { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ۝ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ۝ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ [الشعراء:224-226].

 فذهب بعض قصار النظر إلى أن القرآن قد حرم الشعر، وجعله من الموبقات،

لكنه قد برز لدى من تعمقوا في معنى الآيات أن هنالك استثناءً للعمومية يبرز مع قوله

تعالى في الآية التي تلي هذا الصياغ:

 (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (227) الشعراء.

فالآية الأخيرة توضح أن المذموم من الشعر هو القائم على الخوض في المتناقضات من أولئك الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون، وفي كل واد يهيمون،

تراه يتكلم هنا أو هنا أو هنا بغير حقيقة، بل أشياء يتخيلها، ثم يتكلم فيها، أو يكذب لحاجات في نفسه

أو لأسباب أخرى مثل مدح الرجل بما ليس فيه بغرض التكسب المادي، وليس لكل الشعراء على وجه العموم.

ولتوضيح وجه الاستثناء، قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي الحسن سالم البراد – مولى تميم الداري – قال :

 لما نزلت : (والشعراء يتبعهم الغاوون) ، جاء شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم؛

حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهم يبكون فقالوا :

قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنّا شعراء، فتلا النبي – صلى الله عليه وسلم – : (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات)

قال : ” أنتم ” ، ( وذكروا الله كثيرا ) قال : ” أنتم ” ، ( وانتصروا من بعد ما ظلموا )

قال : ” أنتم”، رواه ابن أبي حاتم . وابن جوير، من رواية ابن إسحاق .

فالغاوون هم طائفة من الشعراء وليس وصفًا ينطلي على العموم.

يدل على عدم وقوف الإسلام موقفًا سلبيا من الشعر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه كان يتذوق الشعر، ويعرف قيمته كجهاز إعلامي لا غنى عنه في تثبيت دعوته،

لما له من أثر عميق في نفس العربي، الذي يحتفي بالشعر ويحفظه عن ظهر قلب لسهولة حفظه، وتداوله في المجالس بصورة يومية،

لذا كان يحث شعراءه على الدفاع عن الدين بقصائد عصماء تسري بين الناس كالنار في الهشيم،

وقد كان هو شخصيًا يستمع للشعر ويتذوقه وقد كافأ ببردته الشريفة كعب بن زهير

عندما قرأ أمامه قصيدته (بانت سعاد) التي جاء ليعتذر إليه بها عن هجائه له ولدينه حتى أهدر دمه،

بل أدلى فيها برأي فني نقدي عندما حثه على تبديل مهند من سيوف الهند مسلول، إلى مهند من سيوف الله.

لكن فيما يبدو من استحسان رسول الله صلى الله عليه وسلم للقصائد ذات المحتوى الفكري العميق

أنه أقرب ما يكون للمنهج الفني القائل بأن (الفن للمجتمع) بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: إن أفضل بيت قالته العرب هو قول لبيد:

ألا إن كل شيء ما خلا الله باطلُ

وكل نعيم لا محالة زائلُ

فبيت لبيد مع جماله وموسيقاه احتوى على قيمة فكرية عظيمة.

ويقود الحديث عن الجانب الفكري في النص لحديث عن الصدق الفني، والطبع والصنعة في الكتابة الشعرية،

وما تبعها من ظاهرة (عبيد الشعر) من شعراء الحوليات في الصناعة الشعرية المتقنة،

من أمثال زهير بن أبي سلمى وابنه كعب بن زهير والنابغة والحطيئة، الذين ينقحون في القصيدة الواحدة لسنة كاملةقبل أن يظهروها للجمهور،

فالصدق الفني مهم في القصيدة خاصة إذا ظهر الشعر عن أصحابه الحقيقيين،

فعنترة عندما يكتب في شعر الحماسة يأتي الشعر في موضعه المناسب، ويبدو أكثرِ صدقًا مما لو جاء من شاعر لم يعرك ساحات القتال،

لأن عنترة في الحقيقة هو مقاتل مغوار، له خبرة حقيقية في الصفوف الأمامية للقتال، فعندما يقول عنترة:

ومدَّججٍ كرِهَ الكُماة ُ نِزَالَهُ

لا مُمْعنٍ هَرَباً ولا مُسْتَسلم

جادتْ له كفي بعاجل طعنة ٍ

بمثَقَّفٍ صَدْقِ الكُعُوبِ مُقَوَّم

فَشَكَكتُ بِالرُمحِ الأَصَمِّ ثِيابَهُ

لَيسَ الكَريمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ

تشعر تمامًا بأنه شعر صادق صادر عن وجدان منفعل بالتجربة، إذ أنه استطاع بكفاءة عالية أن ينقل لنا أجواء المعركة بكل تفاصيلها

ومايضج به المكان من صليل السيوف، وأصوات الرماح تمر جيئة وذهابًا،

خلافًا لقول بشار بن برد الذي لم يتشرف يومًا بالتواجد في ساحات المعارك لأنه (أكمه) ولد وهو أعمى في مثل قوله:

كأنَّ مثار النقع فوق رؤوسنا

وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبه

إذ أن بيته ليس سوى حلية لفظية جميلة، يشبه الغبار المتصاعد من المعركة في وسطه السيوف تجيء وتذهب،

بالليل الذي تتساقط فيه الشهب، فالبيت ليس فيه ما يدل عن صدوره من فارس،

لأن الفارس لو انشغل في ساحة المعركة بهذه الصورة الشعرية الجميلة لطارت رأسه.

وكذلك شعر الغزل إذا صدر عن شاعر انكوى بنيران العشق، يكون أعمق في الدلالة من شاعر لم يجرب آهات الشوق والغرام،

فالشعر من مجنون ليلى قيس بن الملوح ترى فيه تباريح الهوى أوضح وأصدق من أي شاعر آخر يتصنع العشق.

وقد لاحظوا صدق وإجادة بعض الشعراء في غرض شعري دون الآخر فعندما سُئل ناقد قديم عن أشعر الناس،

قال أشعر الناس : «امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير بن أبي سلمى إذا رغب، والأعشى إذا طرب»،

ويقصد بهذا القول أن مزية وتفرد امرؤ القيس بديوان الحماسة ووصف الخيل، والنابغة في شعر الاعتذار،

وزهير بن أبي سلمى في المدح عن رغبة وإعجاب بمن يمدحه؛ فأجمل أشعاره كتبها في مدح الهرم بن سنان، والأعشى في شعر الخمريات،

بناء على أهمية الشعر الصادر عن وجدان منفعل، على نحو ما سنفصل في المبحث القادم بإذن الله: (الوجدان في التجربة الأدبية) بحول الله وقوته.

بقي لنا الربط بين وظيفة الشعر وشعراء الحوليات من عبيد الشعر، ذلك اللقب الذي ارتبط بطائفة من شعراء الصنعة الفنية المبالغ فيها،

لدرجة أن القصيدة الواحدة تستغرق في بوتقة التنقيح والتعديل عامًا كاملا،

لنرى إن كانت هذه الصنعة التي تتجاوز قاعدة الطبع لها أثر على وظيفة النص وقيمته الفكرية المعنوية، أم لا؟

عنصر الفكر في النص الأدبي
عنصر الفكر في النص الأدبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي