أدبي

الوجدان في التجربة الأدبية

الوجدان في التجربة الأدبية 

بقلم: مصطفى نصر 

الوجدان في التجربة الأدبية وِجْدَان( مصدر وَجَدَ)، ووجدان المرء هو نفسه وقواه الباطنية،

وهو مجموع الأحاسيس والانفعالات و العواطف و الاتجاهات و الميولات التي يتفاعل معها أو يتأثر بها،

من حب وكراهية وتعاطف ولذة أوألم وميل ونفور، إلى آخره من أحاسيس إنسانية مختلفة،

وليس الشعر والأدب سوى وجدان، إذ أن القصيدة هي رصد فني لانفعال الشاعر بالحدث.

فالصحفي يتعامل مع الحدث بصورة مجردة، وينقله كما حدث في الواقع دون زيادة أو نقصان

وفق أسئلة ستة هي: (من، متى، أين، ماذا، لماذا، وكيف)

وأفضل الصحفيين مهنية واحترافية وقربًا من أخلاقيات المهنة هو من يعزل الخبر عن عاطفته الشخصية،

وحبه وكرهه لأطراف الخبر، وتوجهه السياسي والقبلي والمذهبي، والتزم بالموضوعية

ولعل أكثر كلمة تتردد في قاعات الدراسة طوال سنوات دراستك الأربع للصحافة والإعلام هي كلمة (الحياد)،

فهي تتردد في كل يوم دراسي على الأقل مرة واحدة أو مرتين، لكن الشاعر لا يعرف حيادًا مع الحدث ولا يعزله من عاطفته،

بل هو لا يقدم للمتلقي الحدث إلا بعد أن يضيف إليه أبعادًا من الخيال، فالنص الأدبي النثري أو الشعري ما هو إلا صورة من انفعال كاتبه بالحدث،

وأمام الشاعر الفرصة أيضًا لأن يورد فكرة من بنات أفكاره لا علاقة لها بالواقع بتاتًا،

شريطة أن تكون منطقية يمكن أن يحدث مثلها في أرض الواقع، وقديما قالوا (أعذب الشعر أكذبه)،

إلا أنني أنبه هنا إلى أمر في غاية الأهمية يجب أن انبه له قارئي العزيز هو أن الكذب الشعري ليس ذاك الذي يتعارض مع الأخلاق،

بل هذا الذي ينجم عن الخيال بصفته جوهر العمل الأدبي والشعري على وجه الخصوص.

فإذا ما عدنا إلى تراثنا النقدي لوجدنا أن المقصود بكذب الشعر هو جنوحه للخيال، فهاهو (زياد بن أبيه) في العصر الأموي يقول:

«الشعر كذب وهزل، وأحقه بالتفضيل أكذبه»

وفي ذلك إشارة إلى الخيال، فالشعر يتصف بالكذب من خلال قدرة الشاعر على اختلاق الأشياء وتوليدها من العدم، ومن ذلك قول الخليفة العباسي (هارون الرشيد) للأصمعي:

 «إن كنت صادقًا فقد أتيت عجبًا، وإن كنت كاذبًا فقد أتيت أدبًا»

إذ خلع على الروايات الكاذبة صفة الأدب، ثم جاء (قدامة بن جعفر) ليفاضل بين الكذب والصدق،

وإن كان أسماهما الغلو والاقتصار، مائلاً إلى مذهب الغلو الذي رآه أجودهما، مع تقييده في نطاق المعنى الممتنع؛

الذي لم يكن ولن يكون، ولكن من الممكن أن يكون، وتبعه (حازم القرطاجني) الذي عني بالتخييل ووضع مفهومه للشعر،

معتبرًا الكذب إحدى وسائل تحقيق التأثير في المتلقي شريطة تمويه الكذب، وإخفائه، وإظهاره للمتلقي في حُلّة الصدق.

والوجدان المنفعل بالحدث -كما ذكرنا آنفًا- هو أكثر ما يعطي النص صدقيَّته

وبالتالي شدة تأثيره في الطرف الذي صنع من أجله وهو المتلقي، إذ أن غاية الشاعر الأخيرة هي أن يصل نصه للمتلقي

فيطرق باب وجدانه ليجد عنده القبول، فلا يمل من ترديده مرات ومرات من شدة الانفعال به،

مما يؤدي في نهاية المطاف لحفظ النص وبقائه في الذاكرة، وهي أغلى غاية يتمناها الأديب؛

خلود شعره بين الورى على مر العصور، إذ أن النص الذي يأتي عابرًا للقارئ ولا يصيبه بالدهشة والمتعة

، ولا يأخذ بتلابيبه ويهزه بعنف سرعان ما يتلاشى أدراج الرياح، ويذهب إلى مزبلة الإبداع دون أن يترك أثرًا في نفسه.

فالشعر هو حديث الوجدان للوجدان، وهو خلافًا للعلم لا يستهدف العقل بل العاطفة،

لذا فإنه إذا جاء من وجدان منفعل بالحدث دخل إلى وجدان المتلقي بدون استئذان وظل في ذاكرته القريبة والبعيدة،

وهذا هو سر بقاء نصوص بعينها منذ العصر الجاهلي وحتى يومنا هذا نتداولها جيلاً بعد جيل، رغم أن كثيرًا من التجارب الأحدث ماتت وشبعت موتًا،

لأن تأثيرها في النفس المقابلة لم يكن كبيرًا، فقد ظل الشعر دائمًا وجدانيًا ليس في التيار الرومانسي وحده

بل حتى في الآداب التي يطغى عليها التيار الواقعي حافظت على آثار من الرومانسية وتوقد العاطفة،

وإذا كان أديب كبير مثل (مكسيم جوركي) أو (كوموجو الصيني) يؤكدان أن الأديب الكبير لا بد أن يجمع بين الرومانسية والواقعية،

فهذا دليل على أهمية عنصر العاطفة والوجدان في النص الأدبي.

فالشعر المؤثر هو الذي يأتي من أهله المتأثرين به فعلاً، لا قولاً ولا ادعاءً، فلا يجود شعر الغزل إلا من شاعر كابد ويلات العشق،

حتى أصبح العاشق والمعشوق من فرط الاندغام جسدًا واحدًا؛

يقول العاشق للمعشوق والمعشوق للعاشق (يا أنا) كما قال العارف بالله (سري السقطي) في وصف أقصى درجات العشق الإلهي،

كما أن شعر الحماسة إذا صدر من فارس خبير ببواطن أمور القتال والحرب وقع في النفس موقعًا عظيمًا،

وقد عقدنا موازنة في مقال سابق بين عنترة بن شداد وبشار بن برد في تصوير ساحة المعركة، وقلنا إن عنترة قد تفوق على بشار بفارق الممارسة والخبرة والتجربة عن بشار الذي لم يغش ساحات المعارك يومًا،

خلافًا لعنترة فارس القبيلة وأحد قادتها الحربيين في الصفوف الأمامية من ساحة القتال.

كما يعد شعر الرثاء منذ العصر الجاهلي حتى عصرنا الحالي من أصدق ما عبّر عنه الشعراء وأبدعه الكتّاب.

لأنه في الغالب يصدر عن وجدان مفعم بالمشاعر النبيلة، وقلب مترع بالمحبة الخالصة التي لا يمازجها رغبة أو رهبة،

وقد برع العرب في هذا الفن وأبدعوا فيه وارتقوا بفنه، وذلك لالتصاقه بشغاف النفس ولأنه ينبع من أعماق الفؤاد،

ولذا كان له تأثيره ومدى انعكاسه على العاطفة، فهو يمثل لوعة موجعة وحسرة لاذعة لفراق حبيب أو فقد عزيز،

لأنه غالبًا لا يرتبط بمنفعة تعود على الشاعر أو كسب مادي لأن من كتب له فارق الحياة،

خلافًا لشعر المديح الموجه للأحياء فهو ربما يعود على الشاعر بمنفعة مادية، لأن الممدوح لايزال على قيد الحياة.

وأكثر ما يكون صدقًا في الشعور، عندما يعبر عن تجربة عاشها بنفسه وليست أحداثًا حكاها له طرف آخر،

فهاهو الشاعر (بدر شاكر السياب) وحيدًا في غربته في فرنسا، وطريحًا لفراش المرض في غرفة بيضاء بإحدى المستشفيات الفرنسية،

مشتاقًا لأي شخص يواسيه في كربته هذه، لا يتخيل شيئًا سوى روح أمه

جاءته تسعى من قريته (جيكور) عبر الموانئ ومحطات القطارات لتطرق بابه وهو وحيد في تلك المستشفى الباريسية..

الباب ما قرعَته غيرالريح

آه لعل روحا في الرياح

هَامَتْ تَمُرُّ عَلَى الْمَرَافِيءِ أَوْ مَحَطَّاتِ القِطَارْ

لِتُسَائِلَ الغُرَبَاءَ عَنِّي ، عَن غَرِيبٍ أَمْسِ رَاحْ

يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْنِ ، وَهْوَ اليَوْمَ يَزْحَفُ في انْكِسَارْ .

هِيَ رُوحُ أُمِّي هَزَّهَا الحُبُّ العَمِيقْ ،

حُبُّ الأُمُومَةِ فَهْيَ تَبْكِي :

” آه يَا ولدي البعيد عن الديار !

فالسياب لم يقف عند حدود وصف مشاعره هو فقط بالحدث الذي يتمثل في غربته ومرضه، بل تجاوز ذلك عندما تقمص شخصية أمه فعبر عنها بكلمات تنبض بعاطفة الأمومة الصادقة (حب الأمومة فهي تبكي آه ياولدي البعيد من الديار)، في موازنة عميقة بين الريح التي ترتبط غالبًا بالعذاب في القرآن الكريم والرياح المرتبطة بالخير والنماء والمطر، فالريح هي التي تطرق بابه وتخرجه من الغفوة الجميلة إلى أتون التفكير في وحدته وهو مريض يخشى من الموت بعيدًا عن أي يد حانية تشاركه لحظاته الأخيرة، لكن الرياح هي بشير الخير الذي جاء يحمل ذكرياته مع أمه وقلقها عليه عندما يكون مريضًا.

وليس أصدق من وجدان الشاعر (محمود سامي البارودي) الذي شارك مع عرابي في ثورته ضد الإنجليز، فنفاه المستعمر إلى جزيرة سرنديب (سيرلانكا حاليا) فهاهو يرى حلمًا في غربته فيه صورة بنته سميرة التي حرمها المستعمر من والدها..

تَأَوَّبَ طَيْفٌ مِنْ سَمِيرَةَ زَائِر ومَا الطَّيْفُ إِلَّا مَا تُريهِ الْخَوَاطِرُ

طَوَى سُدْفَةَ الظَّلْمَاءِ وَاللَّيْلُ ضَارِبٌ بِأَرْوَاقِهِ وَالنَّجْمُ بِالأُفْقِ حَائِرُ

فَيَا لَكَ مِنْ طَيْفٍ أَلَمَّ وَدُونَهُ محِيطٌ مِنَ الْبَحْرِ الْجَنُوبِيِّ زَاخِرُ

تخطى إِليَّ الأَرْضَ وَجْدَاً وَمَا لَهُ سِوَى نَزَواتِ الشَّوقِ حَادٍ وَزَاجِرُ

أَلَمَّ وَلَمْ يَلْبَثْ وَسَارَ وَلَيْتَهُ أَقَامَ وَلَوْ طَالَتْ عَلَيَّ الدَّيَاجِرُ

تَحَمَّلَ أَهْوَالَ الظَّلامِ مُخَاطِراً وَعَهْدِي بِمَنْ جَادَتْ بِهِ لا تُخَاطِرُ

خُمَاسِيَّةٌ لَمْ تَدْرِ مَا اللَّيْلُ وَالسُّرَى ولم تَنْحَسِرْ عَنْ صَفْحَتَيْهَا السَّتَائِرُ

فهاهي ابنته ذات الخمس سنوات تزوره في تلك الجزيرة النائية وقد تخطت إليه المحيط الهادي رغم أن صاحبته صغيرة يصعب عليها المخاطرة حتى بالخروج من فراشها، وأصابه حزن شديد لقصر الحلم وعدم استغراقه وقتا أطول.

الوجدان في التجربة الأدبية
الوجدان في التجربة الأدبية

الوجدان في التجربة الأدبية

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي