ستأتي علينا فترة من الفترات.. نكتشف فيها أنَّ حقيقة الأشياء ما هي إلاَّ أشباه درج سلم، تحمل كل درجةٍ منها سرَّ وجود أو إخفاء عين الحقيقة..
تمامًا كأنك تقف أدناه.. فإذا بك على الدرجة الأولى تمسك ببداية الخيط.. فلا يسعك ما توصلت إليه وإيمانًا منك ترى نفسك تجاهد ليطمئنَ قلبك أكثر فأكثر.
نعم ترهقك فكرة الصعود للدرجة التي تليها، فحرية الاختيار الآن ليست بإرادتك، إنما هي مخافة الظلم.
تهون كل المتاعب والمشقات والقلق النفسي للوصول إلى أقصاه ورفع راية حرية الحقيقة، وما يترتب عليها لإسعاد أولئك اللذين يأملون أن يتحقق العدل الدنيوي، وترفع راياته التي نكست بيد الظُّلم والظَّلمة.
نحن الآن نمر بمرحلة خريف الحياة..
نتجرد كليا من كل الأوراق الخضراء الجميلة التي كانت تكسونا برداء الحياء، والصدق، والأمان.. ومؤازرة الأخ لأخيه بحسن النية.. ليس تطفلا على أسراره..
فكم من سخافات مضحكة الآن، كانت في الأصل سرا مستورا برداء الستر.. وفي وسط كلِّ تلك المفقودات.. أسقطت القيم والمبادئ، والعادات والتقاليد السمحة التي في الأصل هي نواة الإيمان، وصار حالنا كشجرة جرداء فقدت وجهتها الأصيلة التي كنا نلتمس تحتها الظل من حَرور الحياة.
إلى كُل القائمين على تنفيذ هذا القانون الدنيوي.. أنتم اليدّ القابضة الصارمة لتطبيق شريعة الله العادلة في الأرض، التي لا يضل بها ساع ولا يشقى بها سعيد.
وعسى خريف انقضى بكربات، يعقبه ربيع تفريجها، ليحقق غايته في الوصول إلى إثمار تلك الشجرة ورجوع إخضرارها، أملًا في أن نسلك طريقا غير الذي سرنا فيه، لأنه قطعا كان سيودي بنا إلى ما لا يحمد عُقباه.
يقول محمد حسين هيكل: كم سمعنا أن الحق واحد لا يتغير، سمعنا ذلك حتى ملته الأسماع، وحتى كدنا نضطر للتسليم به لكثرة ما سمعناه، ولكننا نرى الناس لا يزالون مختلفين، وكل منهم يدعي أنه على الحق، فهل معنى ذلك أن الحق شعب كثيرة العدد؟. أو معناه أن الحق ليس مما يوجد في هذا العالم الأرضي.