أدبيمقالات متنوعة

مسلسل “لوتشيا” الحلقة الثانية

مسلسل “لوتشيا” الحلقة الثانية

بقلم: الكاتب الروائي حسن العربي

حافية القدمين رثَّة الملابس أسيرُ أتخبط، وأتكئُ على جدرانِ الزقاق دون هدف، لا أعرف لقدميَّ طريقًا في حلكةِ ليل طال بي، عن بُعدٍ سمعت موجات البحر وهي ترتمي في أحضانِ الصخور، فأخذتُ طريقي أترنَّحُ إليها، أمواجٌ متواليةٌ وبردٌ أحسهُ يتسلل إلى عظمي.

كنت أبحث عن ركنٍ ألتحفُ بهِ، أو شجرةٍ أغرسني مع جذورها أو ألتحمُ بأحضانها، كل هذا، وأنا أشعر ببرد حادفي مشاعرى وأحاسيسى، وكأنَّهُ كان يلطخها ويذبحها ببطءٍ مع كل زيارةٍ يدب فيها سمه في أعماقي.

خرجت من وسطِ الظلام بردائها الأسود الأنيق، وعلى رأسها إيشارب أسود بيتسو شفاف، كما لو كانت تخرج عليَّ من ألبوم صور جدي، أنيقة في أواخر الخمسينات كما يبدو وبها شبه كبير من جدتي التي لم أرها إلا في هذا الألبوم، والذي كان يحتفظ به أبى، كانت تتقدم نحوي وأنا أرتعدُ رعبًا، ولكن الإرهاق والتعب قد غلبا خوفي، أما هي فقد ظلت تنظر إليَّ بتَعجبٍ وفزع شديد ثم بادرتني:

– ماذا تفعلين هنا في هذه الأمطار وفي هذه الساعة من الليل؟ من أنت؟ أين بيتك وأهلك؟

ارتميتُ في حضنها لألتمسَ بعضًا من دفئها، وإذا بي أنعسُ في نومٍ متقطع. شعرت بها وهي تحملني في سيارتها ثم توقفت أمام هذا القصر المهجور الذي يرجع لأسرة دون فيتو المشهورة في قريتي، بعدها غلب عليَّ النوم، فلا أدري كم مر عليَّ من الوقت، فتحت عينيَّ لأجدني على فراشٍ أبيضٍ ناعمٍ نظيف في غرفة واسعة، شممت فيها رائحةَ الأمان ثم رائحة اللبن الدافئ الذي وجدته في كوب أمامي، بجواره طبق فوقه شريحة توست نوتيلا التي أعشقها، ولم أتذوقها منذ وفاةِ أبى العام الماضي.

جلست أمامي بروب وردي أنيق وابتسامتها على وجهها تطمئنني، رغم أني أعتقد أنني فقدت مشاعري، إلَّا أنَّ الجوعَ دفعني إلى التهامِ التوست وشرب اللبن بسرعة، بصوتٍ حنون عادت تسألني:

– من أنت؟!

حبيبتي لابد أن تقولي لي من أنت، وعليَّ أن أعيدك إلى بيتك، أعتقد أن أهلك الآن يتساءلون أين ذهبت!

لم أجب عن أي من أسئلتها وانتابني صمتٌ مُريبٌ وذعرٌ غريب، كنت أفكر في أنني لن أعود إلى بيتنا أبدًا، وكل ما أريده هو أن أختفي تمامًا من هذه القرية.

– أنا دونا ماريا، بنت دون فيتو، من المؤكد أنك سمعتِ عني!

هي تتحدث وأنا أستمع إليها، وأتذكر ألبوم الصور وكأن أبي يقلب صفحاته أمامي، مثلما كان يفعل في الماضي.

حبيبتي أنا أحضر إلى هنا مرة كل فترة أريح أعصابي من صخب الحياة في روما، وقد حان موعد سفري اليوم، وكل ما أريده هو أن أطمئن على إيصالك لأهلك ثم أنطلق.

أستمع في صمت، لكن كلامها جذبني؛ فقد سمعت الكثير عن روعة وجمال روما من حواديت جدتي ومغامرات أبي!

– أنا سأبحث لك عن بعض ملابس الأطفال حتمًا سأجد هنا شئ يناسبك، تناولي الإفطار، ثم الحمام هنا أمام الغرفة خذي حمامًا دافئًا حتى أجهز لك ما ترتدينه. تتحدث وتنظر في وجهي وأنا أسمع ولا أرد، وتدور الذكريات في خلدي.

خرجت من الغرفة، وتوجهت، بحذر شديد إلى الحمام، ومع مرور الوقت بدأت أشعر بأمان كان قد فارقني منذ تلك الليلة السوداء.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي