أدبيمقالات متنوعة

“تلك المرآة هي أنا”الحلقة السابعة عشر

“تلك المرآة هي أنا”الحلقة 17

بقلم: الكاتب الروائي حسن العربي

عبثًا بحث عنها والدها وبحثت عنها الشرطة التي حققت في الأمر، وكل ما استطاعوا العثور عليه هو تلك الرسالة الصغيرة التي تركتها في بيت ابن عمها، كما أنهم علموا أنها ركبت سيارة مرسيدس سوداء عند خروجها من البيت عندما استجوبوا زوجة الحارس التي أخبرتهم أنها شاهدتها صباح يوم هروبها وهي تركب السيارة مع شاب لا تعرفه وانطلقا سريعًا. فى نهاية الأمر أسفرت كل المجهودات عن لا شئ، واختفت صابرين عن حياتهم إلى طريقها.

توالت الأيام حتى جاءت ليلة انتقال ليلى إلى المستشفى لعملية أخذ العينة، فقد ساد البيت توترٌ مشهود، أصاب الكل وانتقل  حتى لآمال!

عرضت آمال أن تهتم بالبنات فى غياب ليلى مؤكدة أن لها أجازات كثيرة لم تكن تأخذها، وأنه آن الأوان أن تستخدم هذا الرصيد، وجاءت موافقة ليلى طبيعية لما رأته من حب آمال لبناتها وحبهن لها.

دخلت ليلى الغرفة وجاءت الممرضة لتقوم بالإجراءات التمهيدية من أجل العملية وأمسكت ليلى بسبحتِها المصنوعة من الخشب البني، والتي كانت تمسحها بالعنبر من حين لآخر، فكانت هذه هي الرائحة المميزة التي تشمها إذا اقتربت من ليلىٰ.

ثم انسحبت مع سبحتها إلى خلوة بينها وبين الرحمن، وكأن شيئًا لا يدور حولها فقط هي والدعاء تارة والتسبيح والتهليل والحوقلة تارة أخرى.

جاء الممرضون ونقلوا ليلى على سرير العمليات المتحرك الذي يذهبون به إلى غرفة العمليات، وكان المشهد مهيبًا خاصةً بعدما ارتدت ليلى هذه الاسطوانات الحديدية التي تشبه الخوذة التي تم تثبيتها بأربعة مسامير على حافة الدماغ، و بها ثقب يرى بالعين وهو نفسه الذي يسحب من خلاله الجراح المختص العينة من الورم لتحديد ما إن كان خبيثًا أم لا.

ودع كمال ليلى واحتضن البنات أمهن قبل أن يدفع  بها الممرضون إلى خارج الغرفة، متجهين إلى غرفة العمليات، كانت ليلى قد أصرت على أن تحضر البنات ليكن آخر ما ترى قبل أن تدخل العملية. لم يكن هذا غريبًا عليها فلطالما عودتهن على تحمل المسئولية.

لم تكن آمال غائبة عن هذا المشهد المهيب، ولكنها كانت قد اتخذت قرارًا مسبقًا بأن تترك للأسرة براحًت من الوقت.

مرت الساعات متثاقلة فى انتظار الانتهاء من العملية، كان فريق الجراحين المختصين يتحدث عن ثلاث ساعات، وإذا بست ساعات تمر قبل أن تخرج أول مساعدة من غرفة العمليات، وقد بدا عليها الإعياء الشديد، لكنها طمأنتهم بأن الأمور سارت كما ينبغي، وأن الطبيب سيخرج بعد قليل ليشرح لهم ما حدث وأسباب التأخير.

خرج كبير الجراحين من غرفة العمليات في اتجاه كمال وآمال ثم بشرهما بأن كل شئ سار على ما يرام، وأنهم استطاعوا أخذ العينة بنجاح ودقة شديدة، وأن التأخير كان سببه عدم استجابة ليلى للتخدير الكلي فى بداية الأمر، كما أن أحد المساعدين كان يشك فى تحرك أحد المسامير الأربعة التي تثبت الاسطوانة،  فكان لزامًا عليهم إعادة فحص مكانه بدقة، مما أخرهم حتى تأكدوا أن كل شئ على ما يرام مثلما كان مخططًا له من قبل. وحتى استجابت ليلى للمخدر الكلي. 

وأضاف الجراح أن العينة فى طريقها إلى المعامل من أجل التحليل السريع، وأن النتائج ستأتي بعد يومين على الأرجح وأن الدكتور منصور هو المنوط بشرح الباقي غدًا.

تم نقل ليلى إلى غرفتها وهي نائمة على السرير، وقد رفعوا من على رأسها تلك الأسطوانة الحديدية، وتلك المسامير الغليظة التي قد تركت آثارها على جلدة رأسها، وقد حلقوا لها شعرها فى مربع حول مكان سحب العينة، لكنها لم تكن تشعر بشئ مما يدور حولها، حيث أن آثار المخدر والمهدئات تأخذ وقت طويلًا حتى تفيق منها.

طلبت آمال من كمال أن تأخذ البنات إلى البيت بعد الاطمئنان على أمهن حتى ينمنن ليأتين غدًا معها، فوافق مسرعًا لما رآه من إرهاق بدا عليهن جميعًا، أما هو فقد قرر أن يكمل ليلته على المقعد أمام سرير ليلى منتظرًا حتى تفيق.

أخذت آمال البنات حولها فى حضنها على فراشها ونام الكل نومًا عميقًا حتى الصباح، وما إن استيقظت البنات حتى جهزت لهن إفطارًا سريعًا، ثم عاد الجميع مباشرة إلى المستشفى. فتحت ليلى عينيها ورأت الجميع من حولها فعاودت إغلاقها، وكأنها كانت فتحتها فقط لتطمئن أنها مازالت هنا!

خرجت النتائج وعرفت ليلى وتأكدت الجميع أن الورم من النوع الخبيث، وأنه فى مرحلة متقدمة، وقد أخبرهم الدكتور منصور أن الورم فى موقعه هذا يصعب استئصاله، وكل ما يمكنهم هو مقاومة انتشاره بالكيمياء، كما شرح تفاصيل الفترة الحرجة التي هم على أبوابها، وكان أمينًا حقًا معهم في إخبارهم حتى أن الأمر قد لا يطول كثيرًا، بضعة شهور على الأقصى.

أمضت ليلى بضع ليالٍ تحت الرعاية الطبية فى المستشفى، ثم انتقلت بعد ذلك إلى بيتها ،وأصبح من الضروري أن تكون فى ملازمتها ممرضة ولو ليوم أو يومين فى الأسبوع وأن استمرارها يتوقف على تطور الحالة.

أدركت ليلى الموقف جيدًا، وبدأت تتعامل معه من زاويتها هي، ومن خلال تربيتها الريفية النظيفة، وإيمانها العميق الذي كان يجعلها دائمًا على خطوة فى الأمام من أي شخص آخر.

وبدأت فى المواظبة على الذهاب إلى جلساتها فى المستشفى يومًا، وفحص دم يومًا آخر، وتقرير الطبيب يومًا ثالثًا، وكان يتناوب في الذهاب معها كل من كمال وآمال!

مع مرور الوقت بدأ شعرها يتساقط، ولكنها كانت تعلم ذلك جيدًا وتتوقعه، بل وأنها سمعته من كل من أحاط بها فى تلك الفترة، بل ورأت ذلك وهي طفلة عندما أصاب والدتها وقريبتها، ولكنها عالجت هذا بالإيشارب الذي أصبح يلازمها فى كل مكان، ثم بدأت تلاحظ شيئًا غريبًا جدًا لم تسمع عنه من قبل لا من معارفها ولا من أقرب الناس إليها، فقد بدأت تشم رائحة احتراق  شئ ما حولها، وكانت تقوم مفزوعة فى أول الأمر، وتجري إلى المطبخ لعل أحدهم نسى شيئًا ما على النار دون جدوى، ثم عرفت بعد ذلك من الطبيب أنه يأتيها من الداخل.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي