ربما تكون عقارب ساعتي قد تجاوزت الثانية بالفعل..
بقليل أو بكثير.. لا أدري.. ولا أكترث..
أجلس أراقبهما وهما يتراقصان بثبات حتى يحين لقاءهما.. لا أعرف متى يبدآن ومتى ينتهيان..
أعلم أنني بداخلي لا أطيق الساعة..
فلا فرق لدي بين مختلف الأوقات والساعات.. ولا نهار أو ليل.. ولا بين ذروة وسكون..
لطالما كنت والوقت على غير وفاق..
فأنا أكرهه كسبية حرب تكره مغتصب حريتها..
بينما هو يستحلني كوحش ينهش أيام عمري بنهم.. مثل جائع لا يدرك الشبع أبدًا..
لذا.. منذ زمانٍ طويل قررت ألا أهتم لوقتٍ.. لزمانٍ.. أو لميعاد..
وحينما يزورني بعض الحنين..
أركض إلى شرفتي وقت السحر لأرتشف رحيق النجوم.. وحباتٍ من فضية القمر..
أنظر إلى السكون من حولي.. فأرتجف نشوة ورضا..
وشريط منسدل من الذكريات ينسكب بهدوء أمامي على صفحة السماء..
وجوه.. مواقف..ضحكاتٍ.. ودموع.. وأشخاص..
ولكنني اليوم أشعر بشعور مختلف..
لأول مرة أشعر أنه لا لهفة باتت تجذبني نحوهم.. ولا نحو استعادة ماضٍ جمعني بهم..
لا أريدهم..
لا أريد استعادة أي شيء..
لا الأشخاص الذين انتهوا من حياتي..
ولا شعوري الذي أهدرته فيما مضي عليهم..
ولا محاولاتي التي كانت صادقة ومنهكة في الحفاظ عليهم..
فقط………
أريد أن أبدأ من جديد..
دون غضبٍ.. دون ضغينة..
دون خوفٍ وندم.. ودون اندفاعٍ..
وبالطبع دون تنازلات لا يقدرونها ويقدرون معناها وقيمتها..
أجلس هادئة ومستقرة..
لا يعرقل خطواتي ماضٍ تركته خلفي..
ولا خوف من مستقبل ليس بيدي تقديره..
لا يعنيني سوى اللحظة الراهنة فقط.. بكل ما أملكه فيها..
فأجدني بكامل سكينتي..
رغم بعض ألمٍ قد اعتدت ثورته بعض الحين والآخر.. ألم تخلف من إرغام قلبي على إشاحة النظر عن أكثر الأشياء والأشخاص الذين أحببت.. والمضي قدمًا دون حتى التفات أخير..
وللأمانة.. لا يمكن تخيل قســـــــوة ذلك على النفس..
ولكن كل ذلك بات لا فائدة منه..
فلم يعد بإمكاني سوى التجاوز..
بلا كلماتٍ ولا دموع..
أركض لتجاوز الكثير.. وأترك مع تجاوزي ذلك أحلامًا وأمنياتٍ كثر..
وقد تيقنت أن العمر لا يسع إلا المتاح تحقيقه منهم فقط..
فأبحر صامتة بين أمواج حنيني وذكرياتي..
وما حاجتي لكلماتٍ.. لا نفع من البوح بها إلا المزيد والمزيد من الألم..
لا ضير حقًا من الكتمان..
ففي بعض الكتمان كرامة.. وانتصار.
التحليل:
عندما تتخلص من إرث الماضي ونظرة المستقبل،تعيش الواقع..
نقديًا .. قصة فلسفة تأملية عن الواقع وعدم التفكير فى الماضي والمستقبل ..
بدأت بمراقبة عقارب الساعة المتراقصين، لكنها لاتهتم بالوقت ولا تهتم بالبدابة أو النهاية.. كراهية الوقت مسببة لأنه يستحلها كفريسةٍ دون شفقة.
أحيانًا كانت تهتم بالطبيعة من نجوم وشجر وسحر، الفلاش باك وحديث الذكريات، الضحكات والدموع، مفارقات الماضي بين الفرح والحزن، بين الأمل واليأس..
لكن تأتى نقطة فاصلة بالشعور بالزهد من الماضي والذكريات والأشخاص.. إلى آخره……
كل ذلك لأنها تريد بداية حقيقية دون النظر إلى الخلف، تريد واقعًا تحققه دون النظر إلى اللبن المسكوب، دون حقدٍ أو ضغينةٍ أو دموع..
القصة تأمل لحالة تريد الواقع والأمل الموجود، صاغتها باقتدارٍ فى جو من التصوير البارع الدال على المعنى مثل؛ تكره الوقت كسبية حرب مغتصب حريتها، للدلالة على مدى كراهية الوقت..
الصراع بين الماضي والحاضر يعطي جوًا من الحيوية..
تكتيكات القصة بعناصرها من شخصيات تمثل شخصية واحدة تمثل محورية الحدث..
ثم الزمان الذي تكرهه ممثل في الساعة الثانية، المكان غير محدد، العقدة ممثلة في صراع بين السابق والحاضر، أو تطبيق الواقع دون نظر إلى الماضي..
تصوير معبر عن الهدف.. فلسفة تأملية للأمنيات.. صياغة باقتدار وملحمية…