بينما كانت قاعة المحاضرة مكتظة بالطلاب والأساتذة والحضور، كان يقف الأستاذ البروفيسور المحاضر مختالًا بنفسه ويروي عن صولاته وجولاته العلمية، وبين كل لحظةٍ وأخرى يؤكد أنَّهُ لاقوة فوق قوة عقل الإنسان على الأرض، وأنَّ الإنسانية بلغت مبلغ من العلم يمكنها من التحديد بدقة والسيطرة على كل الظواهر الطبيعية على سبيل المثال، بل أنه يمكن للإنسان اليوم أن يتحدى الطبيعة وهو من يخلق الظواهر الطبيعية.
وأنَّ ما وصل له العلم اليوم هو مبلغه العلم ومالم يسبقه أحد من قبل، فاليوم يمكن للعلماء قراءة الأفكار وربما غدًا سيتمكنون من توجيهها والتلاعب بها، في كل المجالات لا سقف ولا نهاية لما يمكن للإنسان تجاوزه من المجهول في ذلك العالم المحدود.
كانت كل العيون والآذان منتبهه لهذا الحديث ما بين الانبهار والترقب والخوف، كان الجميع يتابع البروفيسور، واسترسل في شرح بعض من التقنيات الحديثة والتي تتيح للإنسان التمكين والسيطرة على حد قوله.
وفي نهاية المحاضرة تم فتح باب المناقشة والأسئلة، كانت معظم الأسئلة تدور حول أحدث التقنيات والاختراعات، والتساؤل هل يمكن للآلة أن تحل محل البشر أو تتفوق عليهم وغيرها من الاسئلة التي تدور في نفس الفلك.
إلى أن جاء سؤال تلك الفتاة في الصفوف الخلفية وكان “وماذا عن القدر وعن الغيب؟ هل كل هذا تحت سيطرة الإنسان المعاصر؟”
أثارَ سؤالها توتر وهمهمة من في القاعة.
لمعت عيني البروفوسير وكأنه وجد ضالته في سؤال الفتاة ليجيبها بتغطرس، كلام الدين والفلسفة لادخل له بالعلم، لاتخلطي الروحانيات بالواقع والحقيقة والملموس بين يديك.
ليزداد توتر وصوت الحضور ليسكتهم أن الغيبيات هي حجة الجاهل عن الشيء والجاهل لا مكان له في عالم اليوم المتطور.
بنبرة أكثر إصرارًا وتحديًا تعود الفتاة لتسأله هل اكتشف العلم سر حضارة أتلانتس المفقودة، هل تمكن العلم من حل شفرة المخ كاملة إلى الآن، هل تستطيع أنت أن تخبرني الآن ماذا سيحدث غدًا في محاضرتك المقبلة ومن سيكون الحضور وأي أسئلة سيسألونها لك، هل تعلم نية وشعور كل من هو جالس في هذه القاعة؟.
سيدي البروفيسور لقد سقطت من ركب العلم والعلماء منذ اللحظة التي ادعيت بها علمك بكل شيء، والدين ليس بفلسفة وليس بشعائر وطقوس نؤديها لا غاية منها، وإنَّ الدين أخبرنا أنَّ الإنسان لم ولن يبلغ بعلمه إلا مقدار صغير جدًا من أسرار وحدود الكون، ومع ذلك فهو يشجع التعلم بل ويحثنا عليه لأنه غايته أن يدرك الإنسان عظمة الخالق ويزداد تواضعًا، وإنَّما الجاهل هو ذلك المغرور الذي ظن نفسه أنَّهُ قادرٌ على أن يبلغ الجبال طولا، الجاهل هو من تجرأ على الله قولًا كفرعون والنمرود وقارون وقوم عاد وغيرهم من القرون الذي استبدلهم الله في الأرض مرات ومرات.
“إنَّما يخشى الله مِن عباده العلماء”؛ معناها أنَّهُ كلما كانت المعرفة بالله وقدراته وحوله وقوته به أتم والعلم به أكمل ، كانت الخشية له أعظم وأكثر، أما عن الغيب فهو جوهر الإيمان بأنَّ تعتقد فيما لا تراه ويكون جزاء هذا الإيمان أن ترى ما تعتقده.
ليقف شابٌ آخر ويقول له؛ “العلم الذي يسخره الله لنا هو بفضله وليختبرنا به، وبرحمة منه يسمح لنا بعلم البعض ويحجب عنا الكثير حتى لحكمة منه بمنع أذى وحتى لا نفقد عقولنا، المعرفة والعلم والتوقع من خلال أدوات وأساليب العلم كلها أمور عظيمة ومباحة لخدمة وتسهيل حياة الإنسان، ولكن جميعها تقع تحت مشيئة الله وعلمه وقدرته”.
وبقول آخر العلماء هم ورثة الأنبياء، والعالم الحق أهم صفاته التواضع للخالق وللعلم، وكما قال العالم الموسوعي والإمام الشافعي؛ “كلما أدّبني الدهر أراني نقص عقلي، وكلما ازددتُ علمًا زادني علما بجهلي”.
وهنا يبهت البروفيسور أمام هذا الكم من المقاطعات وتغيب عنه كل الحجج والدلائل التي كان يظنها حليفته يومًا، ويخرج جميع الحضور من القاعة بعد أن اكتشفوا حقيقة ذلك الطاووس المتغطرس، وأفكاره الجوفاء التي لا قيمة ولا وزن لها.