

عليٌّ بن أبي طالب، رجلٌ لا تُحيط به الكلمات، ولا تكفيه الألقاب. هو السيف إن احمرّ الحق، وهو القلب إذا بكى الليل. يُولد في الظلّ، ويعيش في العدل، ويموت في الصلاة. عاش كأنه يمشي بين الناس بنصف جسد، أما النصف الآخر، فقد كان مشغولًا بالسماء.
لم يكن الفقر عنده مذلّة، بل كان امتحانًا. عاش زاهدًا لا لأنه لا يملك، بل لأنه لا يُريد أن يملك ما يشغله عن ربه. كان يرقّع ثوبه، ويعطي رغيفه، ويصبر إن ظُلم، ويصمت إن فُتن. رأى الحكم عبئًا لا تشريفًا، ورأى الناس أمانة لا أتباعًا. إذا خطب، تساءل السامعون: أهذا كلام بشر؟ وإذا قاتل، تحير الأعداء من ثباته: أهذا رجل واحد؟
وكانت ليلة، لا تشبه الليالي. الليل موحش، والمدينة نائمة، إلا قلب عليّ… مستيقظ. النبي يهمّ بالهجرة، والبيت محاط بسيوفٍ تنتظر ساعة الغدر. في ذلك الموضع الحرج، سأل النبي: “أتبيت في فراشي؟” فلم يقل عليّ: لماذا؟ ولا: وماذا عني؟ بل نام، كأنّ الجنة لا تُنال إلا عبر هذا السرير المحاط بالموت. لم يكن نومًا، بل تسليمًا. كان وجهه متّجهًا إلى الله، وقلبه هادئًا كأنما يقول: “أنا لا أُفكّر في نجاتي، بل في نبوّة تمضي.” كان بإمكانه أن يهرب، لكنه فضّل أن يكون جسدًا بديلًا لقلب رسول الله. أيّ حبٍّ هذا؟ وأي يقينٍ يجعل شابًا يبتسم للموت لأنه يخدم الحقّ؟ ذلك المشهد وحده يكفي ليخبرك من هو عليّ. لم يكن ظلًّا للنبي في النسب فقط، بل في الموقف، في الثبات، في الفداء.
كان يَعرف موضع قدميه جيدًا، لا يميل مع الريح، ولا يُساير الهوى. وكان قلبه يتّسع لما لا يراه الناس. يقاتل من أجل الحق، ثم يبكي في الليل من أجل من قاتلهم. لم يكن الانتصار عنده بالقتل، بل بالنجاة من الظلم. وحين سُئل عن أعدائه قال: “هم إخواننا بغوا علينا.” ما أروعه من ميزان: يقاتلك ويعذرك، يختلف معك ولا يُقصيك، يُخالفك ولا يكرهك.
في محرابه، لم يكن مجرد مصلٍّ، بل كان عاشقًا يبكي، يسأل، يتأمل، يرتجف. يقول لربه ما لا يقال، ويُظهر في مناجاته ما لا يُنطق في المجالس. صلاته لم تكن عادة، بل كان فيها قلبٌ يشتاق، وروحٌ تبحث عن أصلها. لم يكن الدين لديه ثقلًا، بل خفة تحمل النفس إلى موطنها الأول. وكان يُخاطب الله لا ليطلب، بل ليحب.
كان رجلًا في الظاهر، لكنه بدا كأنه فكرة تمشي. فكرة العدالة، الصدق، الوفاء، والاتساع الذي لا يُضيق بأحد. أحب الناس، لكنه لم يجاملهم، وحين خلا الزمان من المنصفين، بقي وحده يقول: “والله لو أعطيتُ الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة، ما فعلت.”
لم يكن عاديًا، ولذلك لم يكن زمنه مهيّئًا له. اغتاله من خافوا من ضوءه، ظنّوه خطرًا، ولم يدركوا أنه كان المنارة في العتمة. مات وهو ساجد، كما عاش وهو راكع. لم يصرخ، لم ينتقم، لم يتغيّر. بقي كما هو: ساكنًا في صخب، واضحًا في تعقيد، إنسانًا حين ضاعت الملامح.
ربما لا نُشبهه، لكننا نحتاجه. نحتاج من يُذكّرنا أن الرجولة ليست عُنفًا، وأن الإيمان ليس مظاهر، وأن الشجاعة ليست في قتل الآخرين، بل في قتل الكِبر داخلنا. عليّ لا يُقرأ مرة، بل يُتأمّل كأنه مرآة: كلما اقتربتَ منه، عرفت كم أنت بعيد.













