أدبي

قصة قصيرة ضيق

ضيق

الكاتبة: شيماء محمد الجمل 

أشارت لنا من بعيد تستأذننا للانضمام إلينا، سمحت لها مستغربة تصرفها المكان عام؛ وبمقدورها الاقتراب وقول ماتريد لكن يبدو أنها خجولة.

جلست بيننا وبصوت خفيض قالت لدي بضاعة متواضعة هل أعرضها عليكم، امتعضت وجوه الفتيات تعجبت ذلك واستنكرته “لماذا تتأفنن لم نرى ما لديها بعد”

أكملت وأنا أنظر إليها “أرينا مالديك”

أخرجت بعض الملابس من الحقيبة وضعتها أمامنا تباعًا،

قالت بصوت مختنق بالبكاء هذه “الملابس لأولادي أبيعها لحاجتي للمال”

لم أكن أتوقع أن يفعل أحد هذا بدافع الحاجة، أمسكت بعضًا منها قلبتها بين يدي، ملابس لأطفال يترواح أعمارهم بين السنتين والعشر سنوات.

طلبت إحدى صديقاتي منها أن ترفع الملابس وتحتفظ بها لن نشتري تلك الملابس أبدا، أشارت لي بعدها لنقوم مع السيدة بعد أن لاحظت تحضيري لبعض المال، أمسكتني الأخرى كانت لديها مخاوف من قيامنا خلفها، لكن لم نلق لمخاوفها بالًا

بعض الناس يخافون كل شئ حتى معاونة المحتاج، لوخفنا جميعًا لأصبحت الدنيا قاسية والناس قساة.

مرت علينا بعدها مرتين رحبت بها وصديقتي فلم يمر علينا سهلًا قولها: أنها كانت ترانا دائما وتخجل من الانضمام إلينا ومشاركتنا الطعام رغم شعورها بالجوع، أنبتني صديقتي الأخرى كما تفعل دائما كنت أجيبها ” عزيزتي اهدأي أين الرحمة! الفقير منكسر ”

ولم يغب عن بالي مشهد الثياب الخاصة بأبنائها وكيف أنها كانت ستبيعنا إياهم لضيق الحال قررت أن أساعدها ماديًا فبحثت لها عن عمل بأجر ثابت يقيها شر السؤال، ولحين حدوث ذلك سأساعدها بما أستطيع حضرت كل ما يحتاجه البيت وقررت مقابلتها ستفرح كثيرًا وسيحتفل الأولاد، الهدايا تسعد الجميع، وتوفر مؤن المنزل تجعله هادئًا مستقرًا.

هاتفتها لنلتقي وذهبت معاها إلى منزلها البعيد داخل شوارع وحوارٍ لم أرها من قبل، ولا أستطيع الوصول إليها، كيف كانت ستحمل كل هذه الأشياء دون سيارة شكرت الله كثيرًا أنه قدرني على مساعدتها.

البيت فقير جدًا كما توقعت بناء قديم تظهر عليه علامات الزمن أردت الانصراف ولكنها دعتني للداخل بإصرار خفت كسر الخاطر فاستجبت لها، أثاث مهترئ وستائر مرقعة، لكن أين الأولاد كدت أسألها لكنها وضعت أمامي مشروب وانصرفت، ربما ستبدل ملابسها هكذا توقعت، المقعد غير مريح حاولت الاعتدال لكني وبحركة غير مقصودة سكبت المشروب رفعته فورا وجففته ماستطعت، أبحث عنها بعيني لأعتذر وأغادر المكان، نظرت لفرجة بالباب الذي عبرته لاحظت وجود شخص معاها بالداخل لا أدري ما سر انقباضة صدري عندما نظر إلي، رجل بشارب رفيع، وأنف طويل دقيق وابتسامة ماكرة كساحر مخادع، أمسكت هاتفي أرسلت موقعي لأخي أعلم أنه ربما لن يراه الآن لكن شعرت بضرورة إرساله، قمت متجهة للباب فتحركت مسرعة لتقطع طريقي انتبهت أنها فعلت ذلك بعصبية عندما سألت”أين تذهبين”

كان رجلها يقف خارج الغرفة متأهبا لشئ أجهله حتى الآن

أخبرتها عن إرسالي الموقع لأخي “بيتك بعيد جدًا يصعب علي العودة بمفردي، سيصطحبني أخي قال إنه قريب مني شكرًا لضيافتك، سلام”

تبادلت ورجلها النظرات قبل أن تبتعد بجسدها وتتركني أمر دون أن تنطق بكلمة واحدة، وكأنها تحولت لشخص آخر غير ما كانت عليه بكل الود والمسكنة والحشرجة التي لاتغادر حنجرتها أبدا.

تماسكت حتى غادرت تلك المتاهة وأوقفت سيارة لتأخذني إلى منزلي.

لزمت المنزل لأيام هاتفت خلالها صديقتي أحذرها فاجأتني بعد يومين بقولها أن السيدة جاءت وتفقدتني وسألت عن سر غيابي، أكملت أنها لم تعد مرتاحة لها فقد كانت لهجتها مختلفة هذه المرة، وأنها أرسلت من يتتبعها فعلمت عنها الكثير ليست مسكينة ولا أولاد لها بل تعمل وزوجها في استدراج الفتيات والسيدات، هكذا وصفها جيرانها الكل يعلم ويصمت أذاقهم الفقر ما يكفيهم، لن يصلحوا الكون، مايمرون به من فاقة تنسيهم أنهم بشر، خلقوا لفعل كثير من الأشياء غير العمل المستمر للحصول على الفتات.

بكيت كثيرًا ومازالت نوبات الهلع تهاجمني كل ليلة كلما تذكرت الموقف، وكلما تخليت ماكان سيحدث لو لم ينقبض صدري وأغادر المكان بالحيلة.

شيماء الجمل

شيماء الجمل، حاصلة على بكالوريوس إدارة أعمال – تخصص إدارة مالية من الأكاديمية العربية. تعمل في تقييم الأعمال الأدبية، بدور نشر متعددة، ولها مساهمات في نشر وتحرير كتب مجمعة. نشرت قصصًا قصيرة في كتب إلكترونية ومطبوعة، وتشغل حالياً مسؤولية القسم الأدبي في جريدة العدد الأول. تهتم بالسرد الأدبي والكتابات الثقافية المتنوعة.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي