أدبي

قصة حقيقية عن بطولة أب

 

بطولة أب 

في قرية ريفية نائية في إقليم “سيتشوان” الصيني، لا يُسمع فيها سوى همسات الريح ووقع الأقدام على الطرق الترابية، عاش الأب “يو شوكانغ” وابنه الوحيد “يو يي”، وهو طفل صغير وُلِد بتشوهات خلقية شديدة في العمود الفقري، جعلته غير قادر على المشي أو الوقوف بشكل طبيعي.

كانت الحياة صعبة، بل قاسية. فالأم هجرت الأسرة بعد ولادة الطفل بفترة قصيرة، تاركة الأب لمواجهة مصيرٍ لا يُحتمل بمفرده. لكنه لم يتخلَّ، لم ينهار. بل أمسك بابنه بذراعين متعبتين، وقرر أن يكون له الأب، والأم، والقدَمين، والدنيا كلها.

عندما بلغ “يو يي” السابعة من عمره، أراد الأب أن يُدخله المدرسة، رغم أن أقرب مدرسة تقبل ابنه كانت تبعد 4.5 أميال (7 كيلومترات) عن المنزل، والطريق وعرة ومتعرجة. لا مواصلات، لا دراجة، لا عربة، فقط قلب أبٍ لا يعرف الاستسلام.

ومنذ ذلك اليوم، بدأ “يو شوكانغ” رحلته البطولية:

كان يستيقظ يوميًا في الخامسة صباحًا، يُحضّر طعام ابنه، ويحمله على ظهره داخل حقيبة خاصة صمّمها بنفسه، ثم يسير به يوميًا ذهابًا وإيابًا 28 كيلومترًا (نحو 17.5 ميل)، ليصل به إلى المدرسة في الوقت المناسب، ويعود إلى عمله البسيط، ثم يكرّر الرحلة في المساء.

أكثر من عام على هذا الحال… دون أن يشكو!

في مقابلة مع يو قال:

“أنا أعلم أن ابني مختلف عن الأطفال الآخرين، لكني لن أتركه يشعر بالنقص. طالما أنا حي، سأحمله على ظهري ليصل إلى المدرسة، مهما طال الطريق”.

 

لم يكن الهدف فقط أن يتعلم ابنه، بل أن يشعر بأنه طفل مثل أي طفل آخر. أن يعيش، ويحلم، ويبتسم.

القصة أثارت ضجة في الصين، وسلطت الضوء على معاناة الآباء الفقراء، خصوصًا في المناطق الريفية. وفي النهاية، بعدما وصلت القصة للسلطات، قامت الحكومة بتوفير سكن قريب من المدرسة لأسرة “يو”، كي لا يضطر الأب إلى هذه الرحلة الشاقة يوميًا.

قصة لا تنسى لأنها ببساطة قصة حب نقي وصامت. قصة رجل عادي، بلا شهرة أو مال، لكن قلبه يحمل من العظمة ما لا تحمله الجبال. لأنه أثبت أن الأبوة ليست فقط إنجابًا، بل استعداد لأن تحترق لتضيء طريق من تحب.

شيماء الجمل

شيماء الجمل، حاصلة على بكالوريوس إدارة أعمال – تخصص إدارة مالية من الأكاديمية العربية. تعمل في تقييم الأعمال الأدبية، بدور نشر متعددة، ولها مساهمات في نشر وتحرير كتب مجمعة. نشرت قصصًا قصيرة في كتب إلكترونية ومطبوعة، وتشغل حالياً مسؤولية القسم الأدبي في جريدة العدد الأول. تهتم بالسرد الأدبي والكتابات الثقافية المتنوعة.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي