
وَلَاءُ وَالسَّيّدُ بَلَاءٌ (2)
(لَا تُخسِرِي المِيزَانَ)
بقلم:ولاء البهنساوي
وَلَاءُ وَالسَّيّدُ بَلَاءٌ (2)
(لَا تُخسِرِي المِيزَانَ) ⚡
“مَرَّت أَيَّامٌ بَارِدَةٌ وَطَوِيلَةٌ بَعْدَ اللِّقَاءِ الأَوَّلِ… أَيَّامٌ كَأَنَّهَا تُهَيِّئُنِي لِشَيْءٍ جَدِيدٍ،
وَلَمْ يَزُرْنِي فِيهَا السَّيِّدُ بَلَاءٌ، وَلَكِنَّهُ كَانَ حَاضِرًا فِي كُلِّ يَوْمٍ بِوَجْهٍ آخَر…”
“وَفِي لَيْلَةٍ مَاطِرَةٍ، بَعْدَ حَوَالَي شَهْرٍ، سَمِعْتُ طَرَقَاتٍ خَفِيفَةً عَلَى الْبَابِ…”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْمَاطِرَةِ، وَبَعْدَ أَيَّامٍ بَارِدَةٍ وَطَوِيلَةٍ، سَمِعْتُ طَرَقَاتٍ خَفِيفَةً عَلَى الْبَابِ…
تَوَقَّفَ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْمَكَانِ، كَمَا لَوْ أَنَّ الزَّمَنَ أَرَادَ أَنْ يُنْصِتَ.
فَتَحْتُ الْبَابَ، وَإِذَا بِالسَّيِّدِ (بَلَاءٍ) يَقِفُ أَمَامِي، مُبْتَلًّا بِسَبَبِ الْمَطَرِ، وَفِي
عَيْنَيْهِ نُورٌ خَفِيٌّ يُجَافِي الْعَتَبَ.
أَدْخَلْتُهُ سِرَاعًا، وَشَرَعْتُ فِي تَجْفِيفِ ثِيَابِهِ، وَقُلْتُ وَأَنَا أَتَأَمَّلُهُ:
“لِمَ أَتَيْتَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ؟! وَهَلَّا أَرْسَلْتَ فَآتِيكَ؟!”
فَتَبَسَّمَ وَقَالَ:
“أَنْتِ أَحَقُّ أَنْ يُؤْتَىٰ إِلَيْهَا؛ فَالرَّاضُونَ بِقَضَاءِ اللهِ، قَدْرُهُمْ عَالٍ عِنْدَ اللهِ.”
اسْتَحْيَيْتُ مِنْ كَلَامِهِ، ثُمَّ قُلْتُ بِخَفَرٍ:
“فَمَا الْخَطْبُ إِذًا؟”
فَقَالَ بِهُدُوءٍ:
“أَلَمْ نَتَّفِقْ عَلَىٰ لِقَاءٍ دَوْرِيٍّ، أُرْوِي فِيهِ ظَمَأَكِ بِفَوَائِدَ مِمَّا حَمَلْتُهُ؟ ذَٰلِكَ إِنْ كُنْتِ لَا تَزَالِينَ رَاضِيَةً.”
فَقُلْتُ:
“بَلْ أَنَا مُشْتَاقَةٌ لِحَدِيثِكَ، فَتَفَضَّل.”
قَالَ وَهُوَ يُقَلِّبُ نَظَرَهُ فِي الزَّاوِيَةِ:
“فَلْنَبْدَأْ… بِسْمِ اللهِ.
الدَّرْسُ الثَّانِي:
بُعِثْتُ إِلَيْكِ لِأُعَلِّمَكِ أَنَّ لَكِ حُقُوقًا، كَمَا عَلَيْكِ وَاجِبَاتٌ.
وَأَنَّ الْحُقُوقَ تُؤْخَذُ وَلَا تُطْلَبُ،
وَأَنَّ التَّنَازُلَ عَنْهَا لَا يَجْلِبُ خَيْرًا كَثِيرًا…
وَأَنَّ الْعَلَاقَاتِ مِيزَانٌ، لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا بِالْعَدْلِ،
فَكَمَا تُعْطِينَ… يَجِبُ أَنْ تَأْخُذِي.”
ثُمَّ تَلَا بِصَوْتٍ رَاقٍ:
﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾
“فَلَا تَبْخَسِي نَفْسَكِ حَقَّهَا، فَهِيَ أَمَانَةٌ، وَأَنْتِ مَسْؤُولَةٌ عَنْهَا.
وَإِنْ أَعْطَيْتِهَا، تَمَكَّنْتِ مِنْ أَنْ تُعْطِي غَيْرَكِ.”
تَنَهَّدْتُ، وَقُلْتُ بِصِدْقٍ:
“مَا أَجْمَلَ كَلَامَكَ!”
فَابْتَسَمَ، وَقَالَ وَهُوَ يَقُومُ:
“لَقَدْ دَاهَمَنَا الْوَقْتُ. سَأَعُودُ قَرِيبًا، إِنْ شَاءَ اللهُ.”
وَفِي صَمْتِ الْغُرْفَةِ، جَلَسْتُ عَلَى طَاوِلَتِي، وَأَمْسَكْتُ بِقَلَمِي، وَفَتَحْتُ “سِفْرَ الأَسْرَارِ”،
وَكَتَبْتُ فِي فَصْلٍ جَدِيدٍ:
—
✍️ صَدَى اللِّقَاءِ (٢)
فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ “الْحَقُّ” يُمْكِنُ أَنْ يَضِيعَ فِي ضَوْضَاءِ التَّنَازُلِ.
وَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ مَنْ يَسْتَحِقُّ مِنِّي الشَّيْءَ، لَا بُدَّ أَنْ أَكُونَ قَادِرَةً عَلَىٰ أَنْ أُعْطِي نَفْسِي مِثْلَهُ.
السَّيِّدُ بَلَاءٌ أَتَانِي وَيَدَاهُ مُمْتَلِئَتَانِ بِمِيزَانٍ جَدِيدٍ..
مِيزَانٍ لا يُجَامِلُ، وَلَا يَتَطَرَّفُ، بَلْ يُقِيمُ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ.
أَغْلَقْتُ “سِفْرَ الأَسْرَارِ”، وَنَظَرْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ تُرْسِلُ غَيْمَهَا…
وَهَمَسْتُ: “فِي الْقِسْطِ… تَسْتَقِيمُ الرُّوحُ.”














