مقالات متنوعة
أخر الأخبار

عقدة الاستحقاق.. وهم يطاردنا في الحياة والعلاقات

بقلم: د. أحمد النجار

 

كثيرًا ما نرى من حولنا من يتعامل مع الحياة وكأنها مدينة له بالسعادة والنجاح والرفاهية، فيتصور أنه يستحق الأفضل دومًا، ولا يقبل أن تصيبه مصاعب أو أقدار سيئة.

هذه الحالة النفسية التي يُمكن تسميتها بـ”عقدة الاستحقاق”، صارت من أخطر أمراض العصر، لأنها تزرع في الإنسان شعورًا بالظلم الدائم والتذمر المستمر، بدلًا من شكر النعم والسعي الجاد لتحقيق ما يريد.

 

الحقيقة أن الاستحقاق الحقيقي لا يُبنى على الأوهام، وإنما على العمل والصبر والأخذ بالأسباب. قال تعالى:

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

[النجم: 39].

فالنجاح لا يأتي بالانتظار، وإنما بالسعي، وما بين أيدينا من نعم هو محض فضل من الله، كما قال عز وجل:

﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾

[النحل: 53].

 

غير أن هذه العقدة لا تقف عند حدود العمل والدنيا فقط، بل تمتد إلى العلاقات الإنسانية. فكثيرون يعتقدون أنهم يستحقون حبًا خاصًا، واهتمامًا بلا حدود، وتقديرًا دائمًا، حتى وإن لم يقدموا في المقابل ما يبرر ذلك. فتتحول العلاقة —سواء كانت زوجية أو أسرية أو صداقة— إلى ساحة مطالب متبادلة، بدل أن تكون مساحة مودة ورحمة وتبادل.

 

وقد أرشدنا القرآن إلى أن العلاقات الناجحة لا تقوم على الأنانية، بل على التراحم والتكامل. قال تعالى:

﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

[الروم: 21].

وفي الحديث الشريف قال النبي ﷺ:

“لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” [متفق عليه].

 

إن جوهر العلاقات الإنسانية أن ترى نفسك مسؤولًا عن إسعاد الآخر لا أن ترى الآخر مسؤولًا عن إسعادك وحدك. فمن يزرع الحب يحصد حبًا، ومن يمنح التقدير ينال تقديرًا، ومن يبذل وقتًا وجهدًا في العلاقة يجد أثر ذلك في قلب الطرف الآخر.

 

لذلك، إذا أردنا أن نتحرر من وهم “الاستحقاق”، فعلينا أن نزرع مكانه ثقافة “العطاء”. ففي العمل، العطاء هو طريق النجاح. وفي العلاقات، العطاء هو سرّ السعادة. أما من يعيش أسيرًا لعقدة الاستحقاق فلن يرى من الدنيا إلا خيبات، ولن يحصد من العلاقات إلا خذلانًا.

 

 

د. أحمد النجار

أستاذ ورئيس قسم علوم الحاسب، كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي، جامعة بني سويف. نائب مدير مكتب التصنيف الدولى، جامعة بني سويف مؤسس ورئيس المجموعة البحثية الابتكارية SIGR كاتب صحفي بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي