علم نفسمقالات متنوعة
أخر الأخبار

العتبة الانفعالية عند الأطفال

العتبة الانفعالية عند الأطفال

 

بقلم: د. عبير عاطف

 

 في حياتنا اليومية مع أطفالنا قد نرى أحيانًا طفلًا ينهار من موقف بسيط، بينما آخر يتجاوز مواقف أشد قسوة بسلام. الفرق بينهما لا يتعلق بالقوة الجسدية أو الذكاء، بل بما يسميه علماء النفس “العتبة الانفعالية”: النقطة التي يصل عندها الجهاز العصبي والنفسي للطفل إلى أقصى ما يستطيع تحمله من ضغوط قبل الانفجار.

 

ما هي العتبة الانفعالية؟

العتبة الانفعالية هي الحد الداخلي الذي عندما يتجاوزه الطفل، يفقد السيطرة على ضبط انفعالاته ويُظهر سلوكًا مكثفًا— قد يكون بكاءً شديدًا، نوبة غضب، أو انسحابًا كاملًا.

 

بعض الأطفال يملكون “كوبًا صغيرًا” يمتلئ بسرعة، بينما آخرون يملكون “كوبًا أكبر” يسمح لهم باستيعاب أحداث أكثر قبل الانفجار.

 

تشير الدراسات إلى أن حوالي 20٪ إلى 30٪ من الأطفال يُصنّفون كأطفال ذوي حساسية عالية (Highly Sensitive Children – HSC). أي أن واحدًا من بين كل خمسة إلى ثلاثة أطفال يتفاعل مع العالم بدرجة أعلى من أقرانه.

 

يصف العلماء هؤلاء الأطفال بأنهم مثل “الأزهار الأوركيد” التي تحتاج بيئة دقيقة كي تزدهر، مقابل “الهند التي تستطيع النمو في أي أرض.

 

من الناحية العصبية، يظهر لدى الأطفال ذوي الحساسية العالية نشاط أكبر في اللوزة الدماغية (Amygdala)، وهي المنطقة المسؤولة عن معالجة الانفعالات، مما يجعلهم أكثر يقظة للمثيرات وأسرع استجابة.

 

دراسة حديثة أوضحت أن هؤلاء الأطفال يواجهون صعوبة أكبر في تنظيم الانفعالات إذا كانت علاقتهم بالوالدين تفتقر إلى الدفء والاحتواء، بينما يتحسن تنظيمهم العاطفي بشكل ملحوظ إذا وُجدت بيئة داعمة وحانية.

 

لماذا يختلف الأطفال في العتبة الانفعالية؟

 

1. عوامل عصبية: بعض الأطفال يولدون بجهاز عصبي أكثر حساسية للمثيرات.

 

2. التجارب المبكرة: الطفل الذي نشأ في بيئة داعمة يجد سهولة في إدارة انفعالاته، بينما الطفل الذي عانى من توتر أو إهمال يكون أكثر هشاشة.

 

3. النمذجة الأسرية: إذا شاهد الطفل من حوله انفجارات غضب متكررة، يصبح هو نفسه سريع الانفعال.

 

4. الاستعداد الوراثي: بعض الدراسات تشير إلى وجود مكون وراثي للحساسية العالية.

 

كيف نتعامل مع العتبة الانفعالية المنخفضة عند الأطفال؟

 

1. الاحتواء بدلًا من العقاب: عندما يبكي الطفل أو يغضب، احتضنه واسمح له بالتعبير أولًا. العقاب يزيد من هشاشته.

 

2. تسمية المشاعر: ساعده أن يعرف ما يشعر به: “أنت الآن غاضب لأن لعبتك كسرت”. هذا يقلل من قوة الانفعال.

 

3. تعليم تقنيات التهدئة: مثل التنفس العميق، العد حتى 10، أو الذهاب لزاوية هادئة.

 

4. بناء الروتين: الروتين اليومي يقلل المفاجآت ويمنح الطفل إحساسًا بالأمان.

 

5. تدريب تدريجي على التحمل: مثل تعريض الطفل لمواقف بسيطة ضاغطة مع دعمه، فيتعلم رفع عتبته الانفعالية مع الوقت.

 

6. إعادة تعريف المواقف: عندما يظهر طفلك ضعفًا أو ينهار في موقف ما، لا تصفه بالضعف أو الفشل. ما يحدث ليس عيبًا فيه، بل استجابة طبيعية مرتبطة بعتبته الانفعالية. تذكّر أن هذه طبيعته العصبية وليست حكمًا على قدراته.

 

في البيت والمدرسة

 

* في البيت:

عندما يتراجع الطفل أمام موقف صعب (مثل بكائه لأنه خسر في لعبة)، قل له: “أعرف أن الأمر كان صعبًا عليك، لكنك حاولت، وهذا جيد”. امنحه احتواءً وطمأنة بدلًا من مقارنته بإخوته أو وصفه بالضعف.

 

* في المدرسة:

إذا انهار الطالب أمام سؤال أو موقف محرج، لا تقل: “لماذا أنت ضعيف؟”، بل شجعه بقولك: “خذ وقتك، يمكنك المحاولة مرة أخرى”. اعطِه فرصة للهدوء بدلًا من الضغط أمام زملائه.

 

العتبة الانفعالية ليست ضعفًا أو عيبًا في الطفل، بل هي اختلاف فردي في طريقة استقبال العالم. بعض الأطفال يحتاجون جرعة إضافية من الحنان والدعم، وبعضهم يحتاجون مساحة أكبر ليهدأوا.

فهم هذه الحقيقة يساعدنا كآباء ومربين على أن نتعامل مع الطفل بوعي وصبر، وأن ندرك أن وراء كل انفجار انفعالي قلبًا صغيرًا يبحث عن الأمان.

 

د. عبير عاطف

دكتوراه في علم النفس التربوي، متخصصة في الإرشاد الأسري، وتتمتع بخبرة واسعة في التدريب الإعلامي والتنمية الذاتية، وتُكرَّم ضمن الشخصيات المؤثرة في الوطن العربي. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي