التعليم بين الاستثمار والخدمة المجتمعية رفاهية في المظهر.. وتراجع في الجوهر

التعليم بين الاستثمار والخدمة المجتمعية
رفاهية في المظهر.. وتراجع في الجوهر
بقلم: د. نهال عزمي
لم يعد التعليم اليوم كما كان بالأمس؛ في الماضي، حين كانت متطلبات الحياة بسيطة، كان المعلم كل ما يتمناه دفترين مغلفين بلونين مختلفين لتسهيل التمييز على الطالب، وقلم رصاص قد يُعتبر في حد ذاته مصدر تباهٍ، بينما لم يكن هناك إلزام بامتلاك علبة ألوان أو مقلمة أنيقة. التعليم آنذاك كان خدمة مجتمعية في جوهرها، رسالة تهدف إلى بناء الوعي والمعرفة، بعيداً عن مظاهر البذخ.

أما الآن، فقد تحوّل المشهد بشكل لافت، صار التعليم يُنظر إليه بوصفه استثماراً ومشروعاً اقتصادياً أكثر من كونه حقاً وخدمة مجتمعية. الأسر أصبحت تُرهق بمصاريف مبالغ فيها، تبدأ من الأدوات المدرسية التي تتجاوز بكثير مجرد الأقلام والدفاتر، مروراً باستخدام الأجهزة اللوحية مثل “الآي باد”، وصولاً إلى بنود الطعام والرحلات والأنشطة التي تُسوّق على أنها ضرورية!!. أما المدارس الخاصة فقد تسابقت في تشييد مبانٍ لا تفرقها عن الفنادق الخمس نجوم، بحدائق وحمامات سباحة ومرافق ترفيهية أشبه بالمنتجعات.
لكن المثير للجدل أن كل هذه التكاليف لم تنعكس إيجاباً على العملية التعليمية! بل على العكس، يعاني التعليم من انحدار في الأداء وضعف في مردود المعلم، ما يكشف أن جودة التعليم لا تُقاس بالمباني أو حجم الاستثمارات، وإنما ترتبط أساساً برؤية المدرسة التعليمية، وبوجود نظام واضح محترم، ومعلم يمتلك الوعي والضمير ليؤدي رسالته بمسؤولية.
تجربة بعض الجامعات العريقة في بريطانيا تقدم نموذجاً معبّرًا، وليس الغرض منها المقارنة بقدر ما كانت مصدر اندهاش؛ فالمباني هناك عادية إلى حد كبير، الأثاث متواضع، ولا بهرجة ولا مظاهر فخمة، غير أن كل الجهد منصب على جوهر العملية التعليمية: المحتوى، البحث العلمي، وتطوير عقل الطالب، هذه المفارقة توضح أن التعليم الحقيقي لا يحتاج إلى قشرة براقة بقدر ما يحتاج إلى جوهر صلب.
ويبقى السؤال: هل سنظل ننظر إلى التعليم كفرصة استثمارية تدر أرباحاً على إدارات المدارس، أم سنعود لجوهره الأصلي كرسالة مجتمعية تستثمر في عقول الأجيال!!













