
من أخلاق الرسول ” الحليم”
اعداد:حنان الشيمي
◾ورد في الأثر أن الذنوب والمعاصي هي أساس كل ضرر،
ومما اتفق عليه العلماء والأئمة أن للمعاصي آثارًا وعواقب،
وأن لها عقوبات على قلب العاصي، وعلى بدنه، ودينه، وعقله،
كما تؤثر على دنياه وآخرته.❤
وكان نبينا ﷺ قرآنًا يمشي على الأرض، وكان خُلُقه القرآن،
بل هو أكمل البشر خَلقًا وخُلقًا.
وإذا ذكرتك، فالمحامد كلها تُذكر…
ويطيب لي فيهن صفاتك البهيات.
وكلما أظلمت الدنيا، واشتدت الفتن، واضطربت الأحوال،
واختلط على الناس أمرهم، فلم يستطيعوا تمييز الخبيث من الطيب،
والفاسق من المؤمن، والأمين من الخائن…
هناك، في شوارع مكة، وبين قبائل قريش،
حيث لا يردعهم دين ولا يضبطهم ناموس، كانوا رغم ذلك يحبون الفضلاء،
ويعظمون أمر النبلاء، الذين لم يتلبسوا بأدناس المعاصي،
ولم يدنسوا سيرتهم برجس. ومن بين وجهاء قريش وفضلائها،
كان هناك فتىً يفوقهم نقاءً، ويفضلهم أمانةً،
وتكسو محياه سيماء الصدق والنبل والشهامة.
كان بينهم كأنه واحد زمانه، وفريد عصره، كأنه جاء من عالم آخر،
عالم لم تلوثه جاهلية القوم، ولم يتلطخ بأرجاسهم وآثامهم،
بيد أنه نشأ بين أظهرهم وقد كان حقًا كذلك، بل كان أعظم وأرفع شأنًا!
ذاك الفتى الذي اشتهر بينهم بالصادق الأمين، ذاك الذي لم يُمنح هذا اللقب مجاملة،
بل اكتسبه بصدقه وأمانته حتى صار له شارة تعريف.
لم يكن ثريًا كأبي سفيان، ولا زعيمًا كأبي جهل،
ولم يكن محبًا للظهور والتصدر كعامة صناديد قريش،
ومع ذلك كانوا يوقرونه، ويشهدون له بمجامع الصفات وكريم الأخلاق،
حتى بعد أن أوحي إليه، وصدع بالدعوة إلى التوحيد، ونبذ الأوثان،
وترك الأهواء والجهالات التي كانوا عليها. حتى أنهم،
على الرغم من عداوتهم له، لم يستطيعوا تكذيبه!
حلم النبي ﷺ
ما طلعت الشمس على أحدٍ أحسن خُلُقًا من رسول الله ﷺ،
وقد امتدحه ربه ﷻ في كتابه الكريم فقال:
{ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ }
(القلم: 4).
ومن عظيم أخلاقه ﷺ حلمه على من جهل عليه، وعفوه عمن ظلمه.
وما من حليمٍ إلا وله زلةٌ أو هفوة، إلا رسول الله ﷺ، فما زاده كثرة الإيذاء إلا صبرًا،
ولا إسراف الجاهل عليه إلا حلمًا، إذ كان لا يغضب لنفسه أبدًا.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت:
“ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا،
فإن كان إثمًا، كان أبعد الناس منه. وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قط،
إلا أن تُنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها”
(رواه أبو داود).
وكان ﷺ لا يقف عند الإساءة، ولا يحمل في قلبه غضبًا أو حقدًا،
فقد اتسع حلمه حتى جاوز العدل إلى الفضل،
حتى مع من أساء إليه وجهل عليه.
فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:
“لما كان يوم حنينٍ، آثر رسول الله ﷺ أناسًا في القسمة،
فأعطى الأقرع بن حابس مائةً من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك،
وأعطى ناسًا من أشراف العرب، فآثرهم يومئذٍ في القسمة.
فقال رجل: والله، إن هذه لقسمةٌ ما عُدِل فيها، وما أريد بها وجه الله!
فقلتُ: والله، لأخبرن رسول الله ﷺ. فأتيته فأخبرته بما قال،
فتغير وجهه حتى كان كالصِّرْف (شجر أحمر)،
ثم قال: فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟!
ثم قال: يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر.
قال: فقلتُ: لا جَرَم، لا أرفع إليه بعدها حديثًا”
(رواه البخاري).
رسولنا الحليم ﷺ
كثيرةٌ هي مواقف حلم النبي ﷺ أمام الإيذاء والغلظة وسوء المعاملة،
ومن هذه المواقف:
فعن أنس رضي الله عنه قال:
“كنت أمشي مع رسول الله ﷺ، وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية،
فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جذبةً شديدة، فنظرتُ إلى صفحة عنق رسول الله ﷺ
وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جذبه،
ثم قال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك! فالتفت إليه رسول الله ﷺ،
فضحك، ثم أمر له بعطاء”
(رواه مسلم).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
“أن رجلًا أتى النبي ﷺ يطالبه بدينٍ، فأغلظ له القول،
فهمَّ به أصحابه، فقال: دعوه، فإن لصاحب الحق مقالا.
ثم قال: أعطوه سنًّا مثل سنّه، فقالوا: يا رسول الله،
إلا أمثل من سنّه؟ فقال: أعطوه، فإن من خياركم أحسنكم قضاء”
(رواه البخاري).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت:
“استأذن رهطٌ من اليهود على رسول الله ﷺ، فقالوا: السام (الموت) عليكم!
فقالت عائشة: بل عليكم السام واللعنة!
فقال رسول الله ﷺ: يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله.
فقالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: قلتُ: وعليكم”
(رواه البخاري).
ولما كُسِرَت رَباعيته وشُجَّ وجهه ﷺ يوم غزوة أحد، شقَّ ذلك على أصحابه، فقالوا:
لو دعوت عليهم! فقال:
“إني لم أُبعث لعَّانًا، ولكني بُعثت داعيًا ورحمةً لهم، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون””
(رواه مسلم).
وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفا:
“انظر ما في هذا القول من جماع الفضل ودرجات الإحسان،
وحسن الخلق، وكرم النفس، وغاية الصبر والحلم!
إذ لم يقتصر ﷺ على السكوت عنهم حتى عفا عنهم،
ثم أشفق عليهم ورحمهم، ودعا لهم وشفع فيهم فقال:
اغفر أو اهدِ، ثم أظهر سبب شفقته ورحمته بقوله قومي،
ثم اعتذر عنهم بجهلهم فقال:
فإنهم لا يعلمون…”.
ولما خرج ﷺ إلى قبيلة ثقيف يدعوهم إلى الإسلام ويطلب حمايتهم من أهل الشرك والأوثان،
كان يمشي على قدميه في مرارةٍ ومعاناة،
تضاف إليها سوء المقابلة والسفاهة والإيذاء.
ومع ذلك، حين أمكنه الله منهم، غلب عليه حلمه وعفوه عنهم.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت:
“قلتُ: هل أتى عليك يوم كان أشدَّ من يوم أحد؟
قال:
لقيتُ من قومكِ ما لقيت، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يوم العقبة،
إذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردت.
فانطلقتُ، وأنا مهمومٌ على وجهي،
فلم أستفق إلا وأنا بقرنِ الثعالب (وهو المسمى بقرن المنازل).
فرفعتُ رأسي، فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلَّتني، فنظرتُ،
فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك،
وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم.
فناداني ملك الجبال، فسلَّم عليّ، ثم قال:
يا محمد، إن شئتَ أن أطبق عليهم الأخشبين (الجبلين)!
فقال النبي ﷺ:
بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا”
(رواه البخاري).
فما أحوجنا إلى الاقتداء به ﷺ في حلمه وعفوه،
بل في أخلاقه كلها! ففي ذلك سعادة الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى:
{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }
(الأحزاب: 21).
حلم النبي ﷺ
وكان ﷺ أحلمَ الناس، يتجاوز عن المسيء،
ويعفو عنه حتى يدخل في دين الله طوعًا،
كما حدث مع أبي سفيان يوم جيء به إلى رسول الله ﷺ،
فقال له – رغم ما لقي منه من إيذاء –
: “ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟”
فقال أبو سفيان:
“بأبي أنت وأمي! ما أحلمك وأكرمك وأوصلك!”
(رواه الطبراني).
ومن أعظم صور حلمه ﷺ صبرُه وتحمله أذى قريش،
فلما أظفره الله بهم يوم فتح مكة، ظنوا أنه سينتقم منهم ويستأصلهم،
لكنه ﷺ لم يزد على أن حلم عنهم وعفا، وقال::
“ما تقولون وما تظنون؟”
فقالوا
“نقول: ابن أخ وابن عم، حليمٌ رحيمٌ!”
فقال:
“أقول كما قال يوسف لإخوته:( لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ )
يوسف: 92) (
(رواه البيهقي)
الحلم في الإسلام
ونظرًا لأهمية الحلم في حياة المسلم، أوصى به النبي ﷺ كثيرًا،
وجعل جزاءه عظيمًا.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبي ﷺ:
“أوصني”، فقال:
“لا تغضب”، فردد مرارًا، فقال:
“لا تغضب”
(رواه البخاري).
وفي حديث آخر، قال النبي ﷺ:
“ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”
(رواه البخاري).
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال رجل لرسول الله ﷺ:
“دلني على عمل يدخلني الجنة”
، فقال ﷺ:
“لا تغضب، ولك الجنة”
(رواه الطبراني).
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ:
“من كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن يُنفِذه، دعاه الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة، حتى يُخيِّره من الحور العين ما شاء”
(رواه أبو داود).
حلمه ﷺ حتى في أدق المواقف
وعن أنس رضي الله عنه قال:
“إن النبي ﷺ رأى نخامة في القبلة، فشقَّ ذلك عليه حتى رُئي في وجهه،
فقام فحكَّها بيده، ثم قال: ‘إن أحدكم إذا قام في صلاته،
فإنه يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته،
ولكن عن يساره أو تحت قدمه’. ثم أخذ طرف ردائه،
فبصق فيه، ثم رد بعضه على بعض، وقال: ‘أو يفعل هكذا'”
(متفق عليه).
خاتمة
لقد بلغ النبي ﷺ غاية الحلم والعفو، فكان بحقٍّ أسوةً حسنةً لمن أراد الاقتداء به،
صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا.
المصادر
كتاب: “منتهى السول على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول”
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة.













