صرخة الحَرِيّة التي لا يسمعها أحد
لاحقوا دماء الفاشر حتى ترحل الظلَم

صرخة الحَرِيّة التي لا يسمعها أحد
لاحقوا دماء الفاشر حتى ترحل الظلَم
بقلم / رشا علواني
في زَخم العناوين التي تتراكم في وسائل الإعلام، وفي تضارب الأرقام التي تزدهر بين الحين والآخر، تبقى مدينة الفاشر في غرب السودان –عاصمة ولاية شمال دارفور– على حافة الهاوية الإنسانية، تُكمّم أفواهها وتُغلق أبوابها، فيما مدفع الظلم يواصل الرصاص والصمت معاً.
ما يحدث هناك ليس مجرد اشتباكات أو مجرّد خسائر؛ بل هو مجزرة يومية على مرأى العالم، بصمت العالم.

– خلفية مأساوية لما يجري
منذ اندلاع الصراع بين قوات الدعم السريع (RSF) والجيش السوداني في أبريل 2023، تسارعت وتيرة العنف في دارفور، مدينة الفاشر كانت محوراً بارزاً.
المدينة محاصرة، الطوق ضيق، ومناطق النزوح والملاجئ تُستهدف بشكل ممنهج: مستشفيات تُقصف، مساجد تُدمر، أسواق تُستباح، وأحياء تملأها الدموع والدماء. مثلاً، في أحد الأيام قُتل 15 شخصاً في ضربهٍ لسوقٍ في الفاشر، بينما أكثر من 30 سُجلوا في ضربة بقاذفة طائرات من دون طيار داخل مركز إيواء.
وفقاً لمنظمات طبية محلية، ما يحدث هناك “إبادة جماعية” في طور التكوين.
– لا طفل آمن.. لا مأوى آمن
رئيسة – “No Child is sdfe” اليونيسف عن وضع الأطفال في الفاشر .
في الفاشر، العنف ليس موجّهاً للمقاتلين فحسب، بل يستهدف المدنيين –النساء، الأطفال، المسنّين– كشاهد حي على ما تشهده المدينة من تحوّل إلى ساحة قتل مفتوحة.
في ضربةٍ واحدة، سُجّلت أكثر من 57 قتيلاً —من بينهم 22 امرأة و17 طفلاً— عندما استهدفت القوات الجوية مركزاً للنازحين.
مستشفيات المدينة –إن وجدت– باتت هدفاً مباشراً: القصف على «مستشفى السعودي التعليمي» مثلاً خلف مئات القتلى من المرضى والمرافقين.
وإذا استمرت الحصار، سيتحوّل كلّ حيّ، كلّ بيت، إلى مقبرة صغيرة، وكلّ ركن إلى نداء استغاثة.

– “مجزرة الفاشر” لائحة من الدم لا تُعدّ
حين تقول إن “٣ آلاف إنسان قُتلوا بدم بارد” كما ورد في شهادات أهلنا في السودان، فالأرقام أقل أو أكثر تبعاً للمصادر، لكنها في كل الأحوال تكشف عن حجمٍ لا يُصدّق من الوحشية:
– مسجدٌ قُصف أثناء صلاة الفجر، أكثر من 70 قتيلاً.
– مركز نازحين دُمّر بصواريخ الطائرات المسيرة، عشرات القتلى، جثث تحت الأنقاض.
_ المنطقة محاصرة بممرّ ترابي يُحاك لقطع الإمدادات، للحصار، لإخضاع المدينة.
_ الاتهامات رسمية بأن ما يجري هو تطهير عرقي يُمارَس ضدّ بعض المجتمعات الإثنية في دارفور.
هذا ليس صراعاً بين جيشين فقط، بل هو وجع إنسان بلا حدود: الأم التي تفقد طفلها، الأب الذي استُشهد أمام عينيه، المدينة التي تحترق، والمجتمع الدولي الذي يقف مكتوف الأيدي.
– لماذا أشدّ من كلمات «معاناة»؟
لأن المعاناة تحمل جانباً من الألم، لكن ما يحدث في الفاشر يتجاوز المعاناة إلى إبادة شبه مفتوحة، وكأن المدينة قد خُطّفت من الزمن، وحُوّلت إلى تجربة قاتمة:
الحصار يمنع دخول الغذاء والمياه والأدوية.. الناس يعيشون على “علف حيوانات” كما وصفت بعض المصادر.
البنى التحتية تنهار.. مشافٍ تُقصف، كهرباء تنقطع، طرُق تُغلق.
أخلاق الحرب تُنسى، والضحية الواحدة لا تكفي.. أطفال يُقتلون بلا رحمة، نساء يُغتصبن أو يُختطفن أو يُقتلن.
تغيب العدالة، ويعمّ صمتٌ غريب.. المجازر تُوثّق، الفيديوهات تتداوَل، الشهود يصدّقون، لكن ما يزال “العالم” يتفرج.

5- نداءٌ بلا تأجيل
إلى كلّ من يقرأ هذه السطور.. صوتكم مطلوب الآن. ليس لمجرد التنديد أو الإدانة، بل لنُثبّت أن إنسانية واحدة – مهما اختلفت القارة – لا تُجازَر عن بشر آخر.
شاركوا ما يحدث في الفاشر
اطلبوا من الحكومات أن تتحرّك، أن تصنّف ما يُرتكب “جرائم حرب”.
طالبوا بفتح ممرّات إنسانية فورية، بحماية المدنيين، بتحقيق دولي شفاف.
تذكّروا أنك لا تحتاج أن تكون في الفاشر لتشعر بما فيها: قلبك، روحك، إنسانيتك – كلّها تشارك ألمهم.
– السودان ليست أقلّ من فلسطين:
كلّما قيل إن “إسرائيل” أو “غزة” وحدها من يُعاني، تذكّر أن “السودان” أيضاً يُحاصَر، يُقصف، يُقتل فيه الأبرياء، يُدمّر فيه الحاضر والمستقبل. الفاشر بتعاني كما تُعاني غزّة، شعبٌ أراد أن يعيش بأمان، لكن عاش تحت وطأة الخوف والقتل.
لا تجعلنا نكرر: «السودان مش أقل من فلـ.ـسطين»، بل اجعله مساوياً، اجعله قضية إنسانية لا يقلّها أيّ قضية في شأنها.
– خاتمة مؤلمة – وبَرهِم من الأمل
في الفاشر، يُكتب تاريخٌ بالدم:
تاريخٌ سَوف يُروى، ربما بعد سنوات، في كتب التاريخ أو بعدمها. لكنّ اليوم، ما زال هناك جرحٌ مفتوح، ما زالت الأم تبكي طفلها، وما زال العالم ينتظر أن يُنهض من صمته.
فلنكن الصوت الذي يدوّي.. الفاشر تحتاجك، السودان تحتاجك، والإنسانية كلها تحتاجك.
ولأنّ الأمل لا يموت، فلتكن رسالتك.. «لن ننسى. لن نترك هذا الجرح ينزف بلا حدود.
لن نسمح أن يختم التاريخ صفحة باسم الصمت».











