أدبيثقافةمقالات متنوعة

الفقد_عن الأمان والثقة والحب والإخلاص_أمنية القطان

الفقد

الفقد بعد التعود  

عن الأمان والثقة والحب والإخلاص

بقلم: أمنية القطان

 

هناك نوع خفي من الخوف لا يُرى، لكنه ينهش القلب ببطء هو فوبيا الفقد بعد التعود.

ذلك الشعور الثقيل الذي يولد عندما تمنح الأمان لإنسان، فتجده وطنًا،وتستيقظ يومًا لتكتشف أن الوطن رحل دون وداع. نحن لا نخاف من الفقد في بداياتنا، بل بعد أن نألف الوجود، بعد أن نصدق أن هذا الحضور باقٍ، بعد أن نمنح الثقة دون حساب، ونحب بإخلاصٍ نادرٍ في زمنٍ لا يعرف الثبات.

عندها فقط؛ يصبح الفقد وجعًا مضاعفًا، لأنك لا تفقد الشخص فحسب، بل تفقد معه جزءً من نفسك التي كانت مطمئنة إليه.

الأمان حين يُمنح لا يُنسى، والثقة حين تُكسر لا تُرمم بسهولة، والحب حين يُخذل يترك فراغًا لا يملؤه سوى الصمت، أما الإخلاص فهو أعلى درجات الإنسانية حين يكون في زمنٍ لا يعرف الإخلاص طريقًا إليه.

وفقد الأحبة بعد الموت وجع مختلف، لا يُشبه أي فقدٍ آخر.

إنه وجع لا يُشفى بالوقت، لأن الزمن لا يعيد الغائبين، ولا يرمم المساحات التي تركوها خلفهم.

تمضي الأيام، لكن هناك صوتًا، صورةً، ذكرى، رائحة عالقة في الذاكرة ترفض الرحيل.

أما فقد الأحبة وهم أحياء فذلك موتٌ مؤجل، تشعر به وأنت تتنفس. تراه في المسافات التي تكبر، وفي الأحاديث التي تصمت فجأة، وفي الأماكن التي كانت تجمعكم وأصبحت تشهد وحدتك.

الفقد بعد التعود مؤلم، لأنه لا يأخذ منك الآخرين فقط، بل يسحب من قلبكالطمأنينة التي كنت تجدها فيهم.

وتبقى بعدهم تتعلم أن لا أمان مطلق، ولا حبّ يدوم بلا وعي، وأن الثقة كنزٌ لايُعطى إلا لمن يفهم قيمتها، وأن الإخلاص ليس ضعفًا، بل شرفٌ لا يستحقه الجميع.

لكن رغم الوجع، يبقى الفقد درسًا عظيمًا.

يُعيد ترتيب أولوياتك، ويُريك من يستحق البقاء في قلبك ومن لا يستحق المرور فيه.

فالفقد رغم قسوته، يعلمنا أن نُحب بحذر، وأن نحيا بامتنان، وأن نحفظ من تبقى لنا قبل أن يأتي اليوم الذي نصبح فيه نحن المفقودين.

مروة تليمة

رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي