علم نفسمقالات متنوعة
أخر الأخبار

فصل الطلاب ليس حلًا.. بل بداية المشكلة

فصل الطلاب ليس حلًا.. بل بداية المشكلة

 

بقلم: د. عبير عاطف 

 

الفصل ليس هو الحل..

مقترح لتبني بدائل تربوية فعّالة لإدارة السلوك داخل المدارس المصرية”

مقترح مقدم إلى معالي وزير التربية والتعليم بشأن اعتماد بدائل تربوية لسياسة الفصل وإدارة السلوكيات الطلابية داخل المدارس. حتى ننقذ المجتمع قبل أن ننقذ هؤلاء الطلاب. 

في كل أزمة سلوكية داخل المدارس، نجد الأصوات ترتفع بقول:

«افصلوه… يستاهل! غير متربى »

ويظهر شعور عام بالارتياح، وكأن فصل الطالب هو الحل السحري الذي سينهي الظاهرة.

لكن.. هل هذا هو الحل فعلًا؟

هل يمكن أن تُعالج أزمة السلوك بإقصاء الطالب بالكامل بدلًا من تقويمه؟

ولماذا نتوقع أن يصبح المجتمع أفضل ونحن نطرد أبناءه بدلًا من إصلاحهم داخل المدرسة؟ هل مهمتنا أن نتعامل مع الطلاب الأسوياء أم مهمتنا الأساسية إصلاح وتقويم غير الأسوياء!!

الفصل –سواء النهائي أو الجزئي– لا يعالج الأخطاء.. بل يضاعفها.

وعندما نُخرج الطلاب المخطئين من المنظومة، نكون قد هربنا من المشكلة بدل حلّها.

تخيل ابنك عندما يخطيء تطرده فى الشارع ظنًا منك أن هذا سوف يربييه..

كيف يعود لك من تركته للشارع يعدل سلوكه اخترت الطريق الأسهل، بدلًا من تقويمه داخل أبواب المنزل.

ومن هنا تأتي أهمية التفكير في بديل تربوي واقعي وعملي.

أولًا: الفصل ليس حلًا.. بل بداية الانفلات

الفصل النهائي أو الجزئي ينتهي عادةً إلى واحد من ثلاثة نتائج خطيرة:

1. ترك الطالب بلا ضابط أو متابعة.

2. إحساسه بالظلم أو الرفض فيزيد عنادًا وعدوانًا.

3. اكتسابه سلوكيات أخطر في الشارع أو البيئة المحيطة.

والمجتمع لا يحتاج مزيدًا من الغضب.. بل يحتاج مزيدًا من التربية.

 

ثانيًا: لماذا يفرح البعض بالفصل؟

نرى اليوم كثيرين يصفّقون عند صدور قرار فصل طالب، ويحتفلون بهذا «الإنجاز».

وكأنه انتصار وليس إعلان فشل تربوي.

لكن السؤال الذي ينبغي طرحه:

لماذا نفرح بإخراج الطالب من المدرسة بدلًا عن إصلاحه داخلها؟

ولماذا لا نُعيد تربية الطالب داخل المؤسسة نفسها، ولكن بعيدًا عن الفصول الدراسية؟

التربية ليست مهمة سهلة، ولا تتم بالمقصلة.. بل بالعمل العميق.

 

 المقترح الأساسي –إنشاء مدرسة سلوكية– تأهيلية

بدلًا من إقصاء الطالب عبر الفصل النهائي أو الجزئي، يتم نقله إلى:

مدرسة مركزية في كل إدارة تعليمية متخصصة في:

– الانضباط.

– تعديل السلوك.

– تدريب القيم.

– إعادة بناء الشخصية.

– احترام القوانين.

– ضبط الانفعالات.

ولا يتلقّى فيها تعليمًا أكاديميًا، إذ يكون التعليم مسؤولية ولي الأمر خلال فترة التأهيل. تكون شبيهه بالتربية العسكرية.

رابعًا: إذا كان تنفيذ المدرسة صعبًا.. فهناك بدائل فورية يمكن تطبيقها داخل كل مدرسة

إذا تعذّر تطبيق فكرة المدرسة المركزية سريعًا، يمكن لكل مدرسة تطبيق نموذج مصغّر منها داخل أسوارها:

1. تطبيق نظام «التربية العسكرية» داخل المدرسة

– ليس بمعنى العقاب البدني، بل نظام صارم في الدخول والخروج.

– التزام بالمواعيد.

– تدريبات على الانضباط والاحترام.

– طابور صباحي خاص للطلاب المخالفين.

– إشراف معلم مخصص لهم طيلة فترة العقاب. يوزع عليهم الأعمال يوميا داخل المدرسة 

هذه الإجراءات تغيّر السلوك بعمق لأنها تعتمد على التكرار والانضباط وبناء الروتين.

2. تكليف الطلاب المخالفين بأعمال داخل المدرسة. وهذا بموافقة ولى الأمر 

وتخيير ولى الأمر بين أن يفصل ابنه أو يقضي العقاب داخل المدرسة. 

مثل:

– تنظيف أماكن محددة.

– ترتيب المكتبة.

– المساعدة في التنظيم.

– المشاركة في المهام اليومية.

– دعم الأنشطة المدرسية.

المهم أن يشعر الطالب بأنه جزء من المنظومة وليس منبوذًا منها، مع تحمل مسؤولية فعلته.

3. برنامج «القراءة والعرض»

يُطلب من الطالب خلال فترة الفصل الجزئي أن:

– يقرأ مجموعة كتب تربوية أو قصصية.

– يكتب ملخصًا لكل كتاب.

– يعرضه أمام زملائه أو لجنة تربوية.

هذا الأسلوب:

– يعيد للطالب احترام الآخرين.

– يبني ثقته بنفسه.

– يربطه بالمدرسة بطريقة إيجابية.

– يحوّل فترة العقاب إلى تنمية حقيقية.

4. معلم مسؤول عن الطلاب خلال فترة الفصل الجزئي غير مكلف بأي مهام أخرى نهائيًا.

دور هذا المعلم:

متابعة الطالب.. توجيهه.. مناقشته

مراقبة مشاعره..

منعه من الاحتكاك بالفصول وقيادة برنامج الانضباط اليومي

خامسًا: لماذا هذه البدائل أفضل من الفصل النهائي؟

لأنها:

– تُعدّل السلوك بدل التخلص منه.

– تحفظ للمدرسة هيبتها وتماسكها.

– تقدّم نموذجًا عمليًا للطلاب بأن الخطأ يعالَج.. لا يُدفَن.

– تحمي المجتمع من قنبلة بشرية اسمها «طالب مفصول».

– تحقق الانضباط دون أن تهدم البنية النفسية للطالب.

سادسًا: أثر تطبيق هذه النماذج على المدى البعيد..

– انخفاض معدلات العنف المدرسي.

– حماية المعلمين من الاعتداء.

– تقليل التسرب من التعليم.

– تحسين الانتماء المدرسي.

– خلق جيل أكثر اتزانًا واحترامًا.

– ربط السلوك بالقيم لا بالخوف

ختامًا..

الفصل –سواء كان نهائيًا أو جزئيًا– هو أسهل الحلول.. لكنه أسوأها.

أما التربية والانضباط والتأهيل فهي الطريق الأصعب.. لكنها الطريق الصحيح.

إن إعادة تربية الطلاب داخل المدرسة، بعيدًا عن الفصول التقليدية، هو ما يصنع الفرق.

ووزارة التربية والتعليم وحدها قادرة على تحويل العقاب من «إقصاء» إلى «إصلاح»، ومن فصل الضعفاء إلى بناء الأقوياء بالقيم والانضباط.

فالفصل ليس حلًا..

الحل الحقيقي هو إعادة التربية.

ويكون الفصل الحل النهائي بعد فشل عملية التقويم والإصلاح لايجب أن يكون الحل الأول.

 

د. عبير عاطف

دكتوراه في علم النفس التربوي، متخصصة في الإرشاد الأسري، وتتمتع بخبرة واسعة في التدريب الإعلامي والتنمية الذاتية، وتُكرَّم ضمن الشخصيات المؤثرة في الوطن العربي. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي