علم نفسمقالات متنوعة
أخر الأخبار

الواسطة.. المعيار الحقيقي للترقي

الواسطة.. المعيار الحقيقي للترقي  

بقلم: د.عبير عاطف 

هل يمكن أن تتعافى دولة بلا عدالة وظيفية؟

في دول تُحترم فيها قيمة الإنسان، يكون الطريق واضحًا:

تتعلّم، تتقن، تجتهد.. فتترقى.

لكن في مصر، يكاد المشهد يُكتب بغير هذه القاعدة؛

فالترقيات لا تتبع الكفاءة، بل تتبع “المعارف”..

والمستقبل لا يحمله المجتهدون، بل يحمله من يملك ظهرًا يحميه.

ليست مبالغة، ولا شكوى منقوصة، بل واقع تراه في كل إدارة ووزارة ومؤسسة:

المنصب يُحجز قبل أن يُعلن، والكرسي يُجهَّز قبل أن يُختبر، والمستقبل يُكتب لمن يملك واسطة لا لمن يملك علمًا.

عندما يصبح العلم تفصيلة.. والمعرفة الأساسية هي “مين يعرف مين؟”

في مؤسسات كثيرة، ترى أصحاب الخبرات الحقيقية يقفون في الصفوف الخلفية ليس لهم وجود هم يكلفون بالعمل واخرون يكلفون بالمناصب 

بينما يتقدم أمامهم من لا يحمل من المؤهلات إلا “علاقة” أو “قُرب”.

وهكذا يتحول مبدأ العدالة الوظيفية إلى مجرد شعار على الجدران،

بينما التطبيق الحقيقي يقول:

من له واسطة يعيش… ومن ليس له واسطة يُنسى.

القصة تتكرر كل يوم:

موظف قضى سنوات قدّم فيها إنجازات حقيقية،

يحصل على تقييم ضعيف ووجود هامشي.

وفي المقابل، يقفز فوقه من لم يكتب تقريرًا واحدًا بيده…

لكن اسمه مرسوم في المكان المناسب.

النتيجة؟ خسارة عقول… ونزيف كفاءات، عندما تُهمل دولة أولادها الأكثر إخلاصًا، تدفع ثمنًا باهظًا.

فالمجتهد يُحبط، الخبير ينسحب، والشاب الموهوب يتعلم الدرس مبكرًا: “التعب وحده لا يكفي”.

وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية:

الأمة لا تخسر أشخاصًا… بل تخسر عقولًا.

لا تخسر موظفًا… بل تخسر سنوات خبرة. لا تخسر جهدًا… بل تخسر مستقبلًا كان يمكن أن يكون أفضل.

الواسطة

الإحباط… حين يصبح الحق رفاهية

أقسى ما في الواسطة ليس أنها تعطي حقًا لمن لا يستحق، بل أنها تسلب الحق ممن يستحق.

تجعلك تشعر أن تعبك بلا قيمة، وأن ضميرك عبء،

وأن سنواتك في طي النسيان فقط لأنك بلا “باب”. الإحباط هنا ليس ضعفًا، بل جرحًا يصنعه ظلم منظم… ظلم يجعل الكفاءة خلف الستار والمعارف تحت الضوء.

إليك جزء نفسي قوي ومركز يصف ما يشعر به الإنسان عندما يُهدر حقه فقط لأنه بلا معارف، وتأثير ذلك على عمله ونفسيته:

عندما يُحرم الإنسان من حقه لا لقصورٍ فيه، بل لغياب “معارف” تسانده، فإن ما يتعرض له ليس مجرد إحباط عابر… بل صدمة نفسية مكتملة الأركان.

1- شعور بالانكسار الداخلي

يبدأ الشخص بالشعور بأن جهده لا معنى له، وكأن كل ما بناه طيلة سنوات انهار في لحظة.

هذا النوع من الظلم يصنع “شرخًا صامتًا” في تقدير الذات، حتى لو لم يظهر على السطح.

2- إحساس عميق بعدم العدالة

من أقوى ما يؤذي النفس أن ترى نفسك مؤهّلًا،

ثم تُقصى لصالح من هو أقل منك كفاءة.

هذا يولّد شعورًا بالقهر الداخلي، وإحساسًا بأن العالم غير آمن، وبأن العدالة مفهوم نظري لا وجود له في الواقع.

الواسطة

3- تآكل الدافعية وتراجع الحماس

الإحباط الناتج عن الظلم يطفئ “شرارة الاجتهاد”.

فالإنسان يتوقف تدريجيًا عن المبادرة، ويبدأ في تنفيذ الحد الأدنى فقط، لأنه يوقن أن الجهد لن يُغيّر شيئًا ما دام القرار بيد الواسطة وليس بيد المعايير.

4- فقدان الثقة بالمؤسسة… وبالنفس

عندما يشعر الموظف أنه غير مرئي مهما عمل،

تتزعزع ثقته في منظومة العمل، ثم في نفسه.

فتظهر أفكار مثل:

“يمكن العيب فيّ”، “يمكن تعبي مش كفاية”، رغم أن المشكلة ليست فيه بل في النظام الذي لا ينصفه.

5- أعراض نفسية وجسدية

هذا النوع من الإحباط قد يؤدي إلى:

– توتر مزمن.

– صداع مستمر.

– اضطرابات نوم.

– فقدان الرغبة في الإنجاز.

– نوبات حزن أو بكاء.

– انسحاب اجتماعي.

لأن الظلم ليس حدثًا عابرًا… إنه استنزاف يومي للطاقة النفسية.

6- تغيّر السلوك الوظيفي

مع الوقت يبدأ الشخص في:

– الانسحاب من المشاركة.

– تجنب المهام الإضافية.

– رفض تحمل مسؤوليات جديدة.

– العمل بطريقة ميكانيكية بلا روح.

– أو التفكير في ترك العمل تمامًا.

لأن الإنسان، مهما كان قويًا، لا يستطيع أن يواصل العطاء في بيئة تكافئ العلاقات لا الكوادر.

هل يمكن أن تتعافى دولة بلا عدالة وظيفية؟

لن تنهض أمة تُكافئ العلاقات على حساب العقول.

ولن تتقدم مؤسسة تحكمها المجاملات لا المعايير. ولن ينهض مجتمع يُطفئ نور الأكفاء ليُضيء طريق المحسوبين.

الترقي بالواسطة ليس فسادًا إداريًا فقط،بل خيانة للمستقبل.

خيانة لحق الناس في العدالة، ولحق الوطن في الأفضل.

د. عبير عاطف

دكتوراه في علم النفس التربوي، متخصصة في الإرشاد الأسري، وتتمتع بخبرة واسعة في التدريب الإعلامي والتنمية الذاتية، وتُكرَّم ضمن الشخصيات المؤثرة في الوطن العربي. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي