
كيف يُقاس الوجع
بقلم:حنان الشيمي
لا أعرف كيف يُقاس الوجع،
لكنّي أعرف يقينًا أن وجعَ الأبناء يهزُّ عرش القلب أكثر مما تهزّه مصائب الدنيا كلها.
أن تقف عاجزًا أمام ألمٍ لو كان لك لاحتملته ألف مرة دون أن تئنّ.
لا أحصي عدد المرات التي ارتجَّ فيها صدري
لرجفة قلبِ أبٍ يحبس دمعه كي لا ينهار،
ولا عدد اللحظات التي تشقّق فيها قلبي
لبكاء أمٍّ تنكمش الدنيا عليها حين يئنُّ ولدُها.
ولا أدري كم مرة شعرتُ أن روحي تُنتزع
حين يئن فيها ولدي من ألمٍ لا أقدر على حمله عنه.
كم من مرةٍ وضعتُ يدي على صدر ولدي كأنّي أعقد صلحًا بين الألم والرحمة؛
كم من ليلةٍ سهرتُ فيها أراقب أنفاسه،
أنا لا أعرف عدد الليالي التي احترق فيها صدري خوفًا،
ولا أعرف كم مرّةٍ أعدت ترتيب روحي كي لا ينهار ولدي حين يلتفت إليّ.
كل ما أعرفه أن قلبي كان ينزل عند قدميه كلما توجع…
وأنني كنت أرفع يدي إلى السماء كغريقٍ لا يريد أن ينجو وحده.
عرفتُ ليالٍ لم أنم فيها إلا على رجاء، وليالٍ لم أستطع فيها إلا البكاء والدعاء،
أرفع يديَّ لأجله … ثم يتسع الدعاء وحده دون أن أشعر،
ليشمل أبناء المسلمين كلهم، كأن الألم يُعلّم القلب العدل والرحمة معًا.
كل ما أعلمه… أن الله وضع في صدور الآباء والأمهات قلوبًا لا تُقاس قوتها،
ولا تُحصى انحناءاتها، ولا تُشبه أي قلبٍ آخر على وجه الأرض.
قلوبٌ تُصنع من صبرٍ يشتعل، ومن رحمةٍ تُضيء العتمة،
ومن قوةٍ لا يدركها إلا من ذاق خوفًا على ولد.
وأن هذه القلوب—برغم رقّتها—تتسع لكل الوجع، وتحتمله، وتمشي به…
لأنها خُلقت لتكون مأوى،
تتكسر ولا تنطفئ،
تنزف ولا تتراجع،
تقوم، وتتحمّل، وتقاوم،
لأنها خُلقت لتكون السترة الأخيرة بين الألم والولد،
وآخر بابٍ مفتوحٍ في وجه الخوف.
وتحمل الوجع كأنها خُلقت من طبقاتٍ من نورٍ وصبرٍ ورحمة.













