
حين تتصافح الأرواح قبل الأيادي
بقلم: د/ أحمد النجار
العيون لا تلتقي صدفة…
هناك عيون إذا التقت، تغيّر كل شيء.
ليست كل النظرات سواء، فبعضها يمرّ عابرًا كنسمة لا تُحرّك ساكنًا، وبعضها يستقرّ في الروح كأنّه كان يعرف طريقه منذ الأزل. تلك النظرات ليست فعلَ بصرٍ فقط، بل لحظة اعترافٍ صامت بين روحين، كأنّهما تذكّرتا شيئًا قديمًا نُسي طويلًا.
العين ليست مجرّد نافذةٍ للجسد، بل مرآة خفيّة لما يسكن القلب. ولذلك قال الله تعالى في آية بالغة الدلالة:
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾
[الحج: 46]
فالعَمى الحقيقي ليس فقدان الرؤية، بل فقدان الإحساس، والقدرة على التقاط المعاني التي لا تُقال.
وحين تلتقي العيون التي كُتب لها أن تلتقي، يحدث ما لا يمكن تفسيره بالمنطق وحده. صمتٌ ثقيل، ارتباكٌ لطيف، شعورٌ مباغت بأنّ شيئًا ما قد تغيّر، وأنّ العالم قبل هذه اللحظة ليس كما بعدها. وكأنّ تلك النظرة تزيح الغبار عن القلب، وتوقظ فيه إحساسًا كان نائمًا.
ولعلّ أصدق ما قيل في تفسير هذا السرّ، ما جاء في الحديث النبوي الشريف:
«الأرواح جنودٌ مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف».
فالأرواح تتلاقى قبل الأجساد، وتأنس أو تنفر قبل أن يتدخّل العقل بالحسابات والتبريرات.
لذلك نشعر أحيانًا بألفةٍ فورية تجاه شخصٍ لم نتبادل معه سوى نظرة واحدة، بينما نعجز عن الشعور بالانسجام مع آخرين رغم طول المعاشرة.
العيون التي تغيّر كل شيء لا تعد بالكلام، ولا ترفع شعارات، لكنها تترك أثرًا لا يُمحى. نظرة واحدة قد تهدم جدرانًا بناها الإنسان حول قلبه سنوات، وقد تفتح بابًا كان يظنه موصدًا إلى الأبد.
ومن هنا كانت النظرة الصادقة أبلغ من ألف كلمة، لأنها تخرج من القلب مباشرة، بلا زيف ولا تصنّع.
وقد أدرك الشعراء هذه الحقيقة منذ زمن بعيد، فتغنّوا بالعيون بوصفها لغةً قائمة بذاتها. فالعيون كما قالوا تفشي ما يعجز اللسان عن النطق به، وتفضح ما يحاول القلب إخفاءه.
وليس غريبًا أن ترتبط العيون في الوجدان الإنساني بالحب، والصدق، والهيبة، وحتى الخوف؛ لأنها أول ما يعبّر عن الداخل دون استئذان.
وفي العلاقات الإنسانية، كثيرًا ما تبدأ الحكايات بنظرة، لا بخطابٍ طويل. نظرة احترام قد تصنع ثقة، ونظرة احتقار قد تزرع جرحًا لا يندمل، ونظرة حب قد تغيّر مسار عمرٍ كامل.
ولذلك لم يكن عبثًا أن يجعل الله المودّة والرحمة أساسًا للعلاقات العميقة، فقال سبحانه:
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
[الروم: 21]
والمودّة قبل أن تُنطق، تُرى… وتُحَسّ.
لكن ليست كل عينٍ صادقة، وليست كل نظرةٍ أمينة. فبعض العيون تخدع، وبعضها تتقن التمثيل، غير أن العين الصافية مهما حاول صاحبها إخفاءها تفضح نفسها بنفسها. هي عين لا تعرف المراوغة، ولا تجيد الكذب طويلًا، لأنها ببساطة متصالحة مع ما في داخلها.
وفي زمنٍ كثرت فيه الأقنعة، صارت النظرة الصادقة نادرة، وصار التقاء العيون التي “تغيّر كل شيء” حدثًا استثنائيًا. ومع ذلك، ما زال الإنسان يحمل في أعماقه توقًا لتلك اللحظة، لحظة أن يلتقي بعينٍ تشبهه، لا في الشكل، بل في العمق.
في النهاية، قد لا نختار متى نلتقي، ولا بمن، لكن حين تلتقي تلك العيون الخاصة، ندرك أن الصدفة ليست إلا اسمًا نطلقه على ما لا نفهم حكمته بعد.
فبعض اللقاءات مكتوبة بلغةٍ لا تُقرأ، ولا تُسمع…
بل تُرى.













