مقالات متنوعة
أخر الأخبار

الحمد لله الذي لم يأخذني بذنبي..  بل أقامني برجائه

الحمد لله الذي لم يأخذني بذنبي..  بل أقامني برجائه

 

بقلم: د/ أحمد النجار 

 

الحمدُ لله الذي لم يُثبِّطني بذنبي، ولم يقطع حبلي بهفوتي، ولم يجعل خطيئتي خاتمة الطريق، بل جعلها علامة تنبيه، وصفعة إيقاظ، وبابًا مفتوحًا للعودة. الحمد لله الذي لو شاء لفضح، ولو أراد لأقصى، ولكنه ستر، ومهَّل، وفتح باب الأمل على مصراعيه، وقال لعباده رغم ما فيهم :

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾

[الزمر: 53]

كم من عبدٍ ظن أن الذنب نهاية، فإذا به بداية معرفةٍ أعمق بالله. وكم من إنسانٍ حسب أن السقوط هلاك، فإذا به باب انكسارٍ هو أحب إلى الله من طاعةٍ أورثت كِبرًا. فالذنب وإن كان شرًّا في ذاته قد يتحول بصدق التوبة إلى جسرٍ يعبر به العبد إلى مقامٍ لم يكن ليبلغه بعمله وحده. وقد قال بعض السلف:

«رب معصية أورثت ذلًا وانكسارًا، خير من طاعة أورثت عزًا واستكبارًا».

إن أخطر ما في الذنب ليس وقوعه، بل ما يفعله في القلب بعد وقوعه. فإن دفعك إلى اليأس، فقد جمع إلى المعصية معصيةً أعظم، وهي سوء الظن بالله. وإن دفعك إلى الإصرار، فقد أغلق عليك باب النجاة.

أما إن قادك إلى الندم، والانكسار، والرجوع، فقد صار الذنب نفسه سبب حياة. ولذلك قال النبي ﷺ:

«كلُّ بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون»

(رواه الترمذي)

الحمد لله الذي لم يجعل الذنب حجةً لترك الطريق، بل جعله دافعًا لمزيد من الصدق. فكم من عبدٍ كان يعرف الله معرفة عقل، فلما أذنب وعاد، عرفه معرفة قلب. وكم من لسانٍ كان يردد الأذكار عادة، فلما انكسر صار يذكر الله اضطرارًا، والاضطرار باب الصدق. قال تعالى:

﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾

[النمل: 62]

ولو تأملنا سير الأنبياء والصالحين، لوجدنا أن طريق القرب لم يكن مفروشًا بالكمال، بل محفوفًا بالتوبة. فهذا آدم عليه السلام، أبو البشر، زلَّ، لكنه لم يجادل، ولم يُكابر، بل قال هو وزوجه:

﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾

[الأعراف: 23]

فكان الاعتراف باب الاصطفاء. وذاك يونس عليه السلام، حين ضاقت به الأسباب، لم يجد إلا باب التسبيح في ظلمات ثلاث، فكان النداء سبب النجاة:

﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾

[الأنبياء: 87]

الحمد لله الذي علَّمنا أن العبرة ليست بنقاء الصحيفة، بل بسرعة الرجوع. فليس الشأن أن لا تخطئ، ولكن الشأن أن لا تُصِرّ، وأن لا تجعل الذنب مبررًا للانقطاع. قال الحسن البصري رحمه الله:

«المؤمن يذنب ثم يتوب، والفاجر يذنب ثم يضحك»

لأن الفرق ليس في الفعل، بل في القلب.

ومن رحمة الله بنا أنه لم يربط القرب بالكمال، بل بالصدق. ولم يجعل الطريق حكرًا على الملائكة، بل فتحه للبشر بضعفهم. فلو كان القرب لا يكون إلا بلا ذنب، لما وصل أحد. ولكن الله سبحانه يحب التوابين، لا لأنهم لا يذنبون، بل لأنهم إذا أذنبوا عادوا، وإذا سقطوا قاموا، وإذا ابتعدوا اشتاقوا.

فالحمد لله الذي لم يُثبِّطني بذنبي، بل علَّمني أن الذنب لا يُبعد إلا إذا أورث قسوة، ولا يُقرِّب إلا إذا أورث توبة. الحمد لله الذي إذا أقبلنا عليه بخطوة، أقبل علينا برحمته أضعافًا، وإذا مشينا إليه، هرول إلينا، كما جاء في الحديث القدسي:

«وإن تقرَّب إليَّ عبدِي شبرًا تقرَّبتُ إليه ذراعًا..»

(رواه البخاري ومسلم)

الحمد لله على بابٍ لا يُغلق، وعلى ربٍّ لا يملّ، وعلى رحمةٍ تسبق الغضب، وتغلب الذنب، وتُقيم العبد بعد عثرته… حتى يصل.

 

د. أحمد النجار

أستاذ ورئيس قسم علوم الحاسب، كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي، جامعة بني سويف. نائب مدير مكتب التصنيف الدولى، جامعة بني سويف مؤسس ورئيس المجموعة البحثية الابتكارية SIGR كاتب صحفي بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي