أدبيمقالات متنوعة

أيتام الأب الحي

أيتام الأب الحي

بقلم / عبير جبر الأكوح

 

ليس كل يتمٍ يُكتب في شهادة وفاة.

هناك يتمٌ يمشي بين الناس،

يتنفس، يكبر، يبتسم أحيانًا…

لكنه في الحقيقة

يحمل فراغًا لا يُرى.

 

أيتام الأب الحي

ليسوا أولئك الذين فقدوا آباءهم بالموت،

بل الذين يعيش آباؤهم بينهم

دون أن يعيشوا معهم.

 

أبٌ حاضر بالجسد،

غائب بالمعنى.

يرى أبناءه،

لكن لا يراهم.

يسمع أصواتهم،

ولا يسمع وجعهم.

قريب في العنوان،

بعيد في القلب.

 

يتيم الأب الحي

يتعلم الوقوف وحده مبكرًا،

ويفهم الحياة قبل أوانها،

ويكبر قبل أن يُسمح له أن يكون طفلًا.

يتقن الصمت أكثر من الكلام،

ويخفي احتياجه

لأن التجربة علّمته

أن الطلب لا يُجدي.

 

وفي أكثر الصور قسوة…

أن يتحول الأب من سند

إلى شاهد غائب.

أن يختار حياة أخرى،

وأسرة أخرى،

وأولويات لا تشبه أبناءه.

 

أن ينشغل بأبناء امرأة أخرى،

ينفق عليهم،

يرعاهم،

ويمنحهم ما كان يجب

أن يكون حقًا أصيلًا

لأبنائه من صلبه.

 

المفارقة المؤلمة

أن من ينفق عليهم

لهم أبٌ حيٌّ يرزق،

بينما أبناؤه الحقيقيون

يُتركون في مهبّ الريح،

بلا دعم،

ولا أمان،

ولا تفسير.

 

أي وجعٍ هذا

حين يرى الطفل أباه

يؤدي دور الأب كاملًا

لكن… ليس له؟

حين يفهم مبكرًا

أن الدم وحده

لا يكفي.

 

أقسى أنواع الغياب

أن تكون محتاجًا

والآخر موجود.

أن تبحث عنه داخلك

لا حولك.

أن تُربّي نفسك بنفسك

بينما من كان يجب أن يفعل

اختار الانسحاب.

 

الغياب ليس دائمًا موتًا،

أحيانًا يكون قرارًا.

قرار أن تكون أبًا بالاسم،

لا بالفعل.

أن تُنفق المال

وتغيب الرحمة.

أن تُرضي الآخرين

وتكسر أبناءك بصمت.

 

وأيتام الأب الحي

لا يطلبون المستحيل…

هم فقط يتمنّون

عدلًا لا أكثر.

حضورًا لا مؤقتًا.

وأبًا يتذكر

أن الأبوة مسؤولية

لا تُستبدل

ولا تُؤجَّل.

 

د. عبير جبر الأكوح

د. عبير جبر الأكوح، قائدة متميزة، تحمل بكالوريوس علوم عسكرية (1992) وبكالوريوس إدارة أعمال، إلى جانب دراسات متقدمة في القانون الدولي. تبوأت مناصب قيادية وأسست مؤسسات تعليمية وخيرية، وتشغل حالياً منصب المدير التنفيذي لمؤسسة "الأيدي الرحيمة" في المنطقة الشرقية بليبيا. لديها خبرة في الاستثمار العقاري وتحمل رخصًا مهنية من مصر وليبيا، كما أنها عضوة نشطة في مركز كيمت للتحكيم. شاركت في مؤتمرات دولية وإقليمية كبرى، أبرزها فعاليات جامعة الدول العربية ويوم القانون العالمي. تهتم بقضايا تمكين المرأة، وتمارس هوايات متنوعة تشمل الكتابة والرماية وركوب الخيل، ما يعكس شخصيتها المتكاملة والثرية. محررة صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي