أدبيقصة قصيرة
أخر الأخبار

رعشة اللقاء

رعشة اللقاء

قصة قصيرة بقلم: مصطفى نصر 

 

كان اليومُ بارداً، ريحٌ خفيفة تحمل رائحة الياسمين المبلل من حديقةٍ بعيدة، وقفَ على الرصيف المقابل للمقهى الصغير الذي ظل وكرا دافئا لحبهما قبل سنواتٍ طويلة، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة التي قال فيها: «هنا… بعد عودتي، هنا نلتقي».

مرّت سنواتٌ كثيرة. سنواتٌ حملت معها تغيّرات الوجوه، خطوطاً جديدة حول العينين، شعراً أبيض تسلل خلسةً، وذكرياتٍ أثقلت القلب حتى كاد ينحني. لكن النبض… النبض ظل يحمل اسمها كلما سمع خطوةً قريبة، أو رأى ظلاً يشبهها.

جاءت.. 

لم تمشِ بخطى واثقة كما كان يتخيلها دائماً في أحلامه. خطواتها مترددة، كأنها تخاف أن يتبخر اللقاء إذا مشت بسرعة. ارتدت معطفاً طويلاً لونه كلون السماء قبل المطر، وشالاً يغطي نصف وجهها، لكن عينيها… عينيها كانتا نفس البركتين اللتين غرق فيهما منذ زمن.

توقفت على بعد خطوتين..

نظر كل منهما إلى الآخر، وكأن الكون كله توقف ليتنفس معهما.

لم يقل شيئاً في البداية.. 

فقط مدّ يده ببطء، كمن يخشى أن يلمس سراباً. أمسكت أصابعه المرتجفة بأصابعها، رعشةٌ خفيفة انتقلت من يده إلى يدها، ثم إلى كتفيها، ثم اجتاحت جسدها كله. كأن السنوات كلها تتساقط الآن من بين أصابعهما كقطرات مطر متأخر.

«أنتِ… ما زلتِ أنتِ»  

همسها صوته وهو يكاد يختنق.  

ابتسمت، وعيناها تدمعان: «وأنتَ… لم تتغير إلا في الشيب الذي يزيّنك».

جلسا على الطاولة الصغيرة في الزاوية.  

لم يطلبا شيئاً في البداية. فقط نظرا. نظرةٌ طويلة تحمل كل ما لم يُقَل. كل الرسائل التي أُرسلت ولم تُردّ، كل الليالي التي بكيا فيها كلٌّ على حدة، كل الأحلام التي كانا يبنيانها معاً ثم هدمها القدر.

بدأ الكلامُ هادئاً، متقطعاً، كلماتٌ صغيرة أولاً..

كيف حالك؟

اشتقتُ إليك..

كنتُ أخاف ألا نلتقي أبداً..

ثم انسكبت الذكريات كالنهر الذي كسر السدّ. ضحكا على صورة قديمة تذكراها، بكيا على لحظة فراقٍ كان يمكن أن تكون لقاءً آخر لو تغير شيءٌ صغير.

فجأةً، في منتصف جملة، وضعت يدها على يده فوق الطاولة.  

رعشةٌ أخرى، أقوى هذه المرة. لم تكن رعشة البرد، ولا الخوف. كانت رعشة الحياة التي تعود إلى الجسد بعد موتٍ طويل. رعشة اللقاء التي تقول: «ما زلنا هنا، ما زلنا على قيد الحياة، ما زلنا قادرين على الحب».

لم يعدا يتحدثان كثيراً بعد ذلك.  

اكتفيا بالجلوس، يداً بيد، ينظران إلى الشارع الذي يمرّ من أمامهما، وكأن العالم كله أصبح خلفيةً باهتة للحظتهما هذه.

في النهاية، قبل أن يفترقا، قال لها بهمس:  

«إذا طال الغياب مرةً أخرى… اعلمي أن قلبي سيظل يرتجف بانتظارك هنا».

ردت وهي تمسح دمعةً من خده:  

«ولا تقلق… رعشة اللقاء هذه لن تنطفئ أبداً».

ثم مشيا معاً قليلاً تحت المطر الخفيف الذي بدأ يهطل، وكأن السماء نفسها تشاركهما الدموع والفرح معاً.

رعشة اللقاء ليست مجرد ارتعاش الجسد…  

إنها إعلانٌ صامت أن الحب، حين ينتظر طويلاً، يعود أقوى، وأعمق، وأكثر حياة.

عاد الغائب.  

لم يعد كما غادر، بل حمل معه ثقل السنين ووعدًا أثقل: أن يُكمل ما بدأه منذ زمن بعيد.

بعد ذلك اليوم في المقهى الصغير، لم يعد هناك مجال للتردد.  

الرعشة التي انتقلت بين أيديهما لم تكن مجرد لحظة عابرة، بل كانت إشارةً واضحة أن الوقت قد حان ليُترجم الحنين إلى فعل.

جمع المال لم يكن سهلاً.  

كان قد عمل سنواتٍ في بلاد بعيدة، جمع قرشًا فوق قرش، وكان يرسل أحيانًا رسائل صامتة إليها: صورة لشقة صغيرة بدأ يدفع أقساطها، أو صورة لخاتم بسيط اشتراه ووضعه في صندوق حديدي صغير، ينتظر اليوم المناسب.

كانت تعلم أنه يجمع، لكنها لم تسأله أبدًا عن التفاصيل.  

كانت تثق أن الذي انتظرها كل هذه السنوات لن يأتي ناقصًا.

وبدأنا خطوة بخطوة نحو الزفاف

   وبعد أسبوعين من اللقاء، دعاها إلى البيت الذي كان يعدّه.  

   لم يكن قصرًا، بل شقة متواضعة في حي هادئ، جدد فيها كل شيء بنفسه: طلاء الجدران بلون دافئ، وضع نباتات صغيرة على الشرفة، واشترى طاولة خشبية قديمة أعجبته.  

   في تلك الليلة، أخرج الخاتم من الصندوق الحديدي وقال لها:  

   «ما عدتُ لأعيش وحدي… جئتُ لأعيش معكِ، إن أردتِ».  

   وضعت يدها في يده وقالت: «أردتُ منذ زمن».

   لم يريدا احتفالاً كبيراً في البداية، لكن الحاح أب 

   جمعا الأهل والأصدقاء المقربين فقط في حديقة بيت أهلها.  

   كان هناك فستان أبيض بسيط جدًا، وكعكة صغيرة، وموسيقى خفيفة.  

   لكن عندما تبادلا الخواتم، ساد صمت عميق، كأن الجميع شعر أن هذه اللحظة ليست مجرد خطوبة، بل عودة حياة كادت تُدفن.

   استغرق التحضير أربعة أشهر فقط – لم يريدا الانتظار أكثر.  

   اختارا مكانًا ليس باهظًا، لكنه يحمل معنى.. حديقة قديمة في ضواحي المدينة، بها شجرة زيتون كبيرة يقال إن عمرها يزيد عن مئة عام.  

   قررا أن يكون الزفاف في المساء، تحت النجوم، مع إضاءة فوانيس ورقية معلقة على الأشجار.

   الفستان شيفون أبيض ناعم، مطرز بخيوط ذهبية خفيفة على شكل أغصان متشابكة.  

    البدلة كحلية داكنة، مع منديل صدر من نفس القماش الذي كان يرتديه يوم لقائهما الأول قبل سنوات.  

   الدعوات رسائل مكتوبة

وشلالات من الأفراح هي العنوان الرئيس للسنوات القادمة.

 

مصطفى نصر

صحفي وباحث متخصص في الأدب والتثقيف، يتمتع بخبرة في العمل الإنساني والتوعية المجتمعية، وله دراسات متعددة في الإعلام والتعليم الإلكتروني. كاتب بجريدة العدد الأول
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي