أدبي

ظل أخي

لو كنت الكاتب

ظلّ أخي

 لكاتبة: ھدى حجاجي أحمد

في الأحياء العشوائية عاش أخوان، جسدان بروحٍ واحدة؛ الصغير مريض لم تمنحه الحياة شيئًا، لكن القدر منحه أثمن عطاياه… أخًا كان له أمًّا وأبًا وسندًا. الكبير، رغم صغره، حمل على عاتقه كلّ ثقل الدنيا. يخرج مع الفجر يكدّ طلبًا للرزق، ويعود مساءً ليطعم أخاه ويسقيه، ويغمُره بعطفٍ لا ينضب.

وفي ليلةٍ ثقيلة، غلبه التعب فسقط الكبير في نومٍ عميق. لكن قلبه المثقل بالقلق لم يهدأ؛ فقد حلم بمستقبل أخيه، بخوفه من المرض الذي يلتهم الصغير ببطء. وفي تلك اللحظة، استيقظ الصغير وهو يشعر بالوحدة الشديدة. حاول أن يرفع رأسه، فتعثر وسقط على الأرض. استيقظ الكبير على صوت ارتطام، وركض إليه بسرعة، محتضنًا إياه، متعهدًا ألا يتركه لحظة واحدة.

أيام مرت، وتزايدت صعوبة الحياة، لكن الأخ الكبير لم يستسلم. عمل في أكثر من مكان، بين عامل بسيط وناقل أمتعة، وجمع ما يستطيع من القليل ليطعم أخاه. لم يشتكِ يومًا، ولم يطلب شيئًا لنفسه. وكان كل حلمه أن يرى أخاه يبتسم، وأن تسمح له الحياة بأن يكون طبيبًا يومًا ما، يعالج المرضى، وربما حتى نفسه.

ثم جاء يومٌ عاصف، حمل الرياح معه أخبارًا سيئة: مريض صغير بحاجة لعملية عاجلة، ومبلغ العلاج يفوق قدرة الأخ الكبير. جلس في الشارع، يحدق بالسماء، يشعر باليأس لأول مرة، لكنه تذكّر وعده لأخيه: “لن أدع شيئًا يمنعك من الحياة.” بدأ بجمع ما تبقى لديه من أصدقاء الحيّ، حتى الأشخاص الذين كانوا يمرّون من جانبه ولا يعرفونه. كل منهم ساهم بشيء صغير، حتى تراكَم المبلغ اللازم.

وفي غرفة العمليات، وبين أصوات الأجهزة ووميض المصابيح، شعر الأخ الكبير بأن قلبه يتوقف، لكن حين خرج الطبيب وقال بصوت حازم: “العملية نجحت”، انهار الكبير على الأرض باكيًا، لكنه كان دموع فرح.

عاد الصغير إلى البيت، يحمل ابتسامة جديدة، ويداه تلتقط يد الأخ الكبير: “لقد فعلتها، بفضلك.”

لكن، بعد أسبوع، بدأ الصغير يشعر بألم جديد، شديد ومفاجئ، لم يسبق أن شعر به. أصيب بالتهاب مفاجئ، لم يستطع الأطباء السيطرة عليه. وفي ليلة عاصفة، جلس الأخ الكبير بجانب سرير أخيه، يمسح العرق عن جبينه، يهمس: “لن أتركك، يا صغيري… لن تذهب وحيدًا.”

وبينما كانت الرعود تهزّ النوافذ، سحب الصغير أنفاسه الأخيرة، وابتسم إلى أخيه الكبير بابتسامة هادئة، كما لو كان يقول: “أعرف أنك فعلت كل شيء… أحبك.”

لم يبقَ للكبير إلا الصمت، والفراغ الذي تركه صدى ضحكات أخيه في كل ركن من البيت. لكنه فهم درس الحياة الأعمق: الحب الحقيقي لا يُقاس بالنجاة، بل بالوفاء والإخلاص، وبأن القلب القوي يكفي ليحمل ذكرى من أحببنا حتى بعد الرحيل.

شيماء الجمل

شيماء الجمل، حاصلة على بكالوريوس إدارة أعمال – تخصص إدارة مالية من الأكاديمية العربية. تعمل في تقييم الأعمال الأدبية، بدور نشر متعددة، ولها مساهمات في نشر وتحرير كتب مجمعة. نشرت قصصًا قصيرة في كتب إلكترونية ومطبوعة، وتشغل حالياً مسؤولية القسم الأدبي في جريدة العدد الأول. تهتم بالسرد الأدبي والكتابات الثقافية المتنوعة.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي