
نداءٌ لم يُسمع
الكاتبة: نوال فراح
في الأحياء العشوائية عاش أخوان، جسدان بروحٍ واحدة؛ الصغير مريض لم تمنحه الحياة شيئًا، لكن القدر منحه أثمن عطاياه… أخًا كان له أمًّا وأبًا وسندًا. ألقى الله في قلب الكبير حنانًا لا يُقاس ورحمةً لا تنضب، فكان يخرج مع الفجر يكدّ طلبًا للرزق، ويعود مساءً ليطعم أخاه ويسقيه ويغمره بعطفه
وفي ليلةٍ ثقيلة، غلبه التعب فسقط الكبير في نومٍ عميق…
كان الليل بارداً، والريح تعصف بين جدران البيت الهشّ، تصفر كأنّها تنذر بنهايةٍ وشيكة. فتح الصغير عينيه بصعوبة، جسده الضعيف يرتجف، وأنفاسه تتقطع ببطء.
حاول أن ينادي أخاه:
“أخي…”
لكن صوته خرج خافتًا، كأنّه لا يريد أن يزعجه.
انتظر قليلًا… ثم أعاد المحاولة، هذه المرّة بنبرةٍ يملؤها الخوف:
“لا تتركني…”
لكنّ النوم كان أعمق من أن يُهزم بنداءٍ ضعيف.
مدّ يده نحوه، لم يستطع الوصول، فبدأ يزحف على الأرض الباردة، يجرّ جسده المنهك حتى اقترب منه. أمسك بطرف ثوبه، وشدّه برفق… ثم بقوّة…
لكن لا شيء تغيّر
توقّف…
حدّق فيه طويلًا، وكأنّه يحفظ ملامحه للمرّة الأخيرة
ثم، وعلى غير عادة الأطفال، لم يبكِ.
لم يصرخ.
اكتفى بأن أسند رأسه إلى الأرض، وأغمض عينيه ببطء… كمن قرّر أن يستسلم
مرّت ساعات الليل ثقيلة… صامتة…
حتى جاء الفجر
استيقظ الكبير، تمطّى قليلًا، ثم التفت مبتسمًا:
“استيقظ… لقد أحضرت لك خبزًا…
لكنّ ابتسامته تلاشت فورًا
كان أخوه ساكنًا… بشكلٍ مخيف
اقترب منه، ناداه، هزّه، أعاد النداء مرارًا…
لكنّ الجواب لم يأتِ
جلس بجانبه، أنفاسه تتسارع، ويداه ترتجفان، ثم احتضنه بقوة، وكأنّه يرفض تصديق ما حدث.
“أنا هنا… لم أتركك… فقط نمت…”
لكنّ الحقيقة لم تتغيّر
وبينما كان يضمّه، شعر بشيءٍ تحت يده…
قطعة قماش صغيرة، ملفوفة بعناية
فتحها ببطء…
فوجد بداخلها قطعة خبزٍ يابسة
تذكّر…
أنّه في الليلة السابقة، عاد دون أن يأكل، لأنّ أخاه كان جائعًا.
لكن يبدو… أنّ الصغير لم يأكلها
وجد بداخل القماش ورقة صغيرة، بالكاد كُتب عليها
“كنت جائعًا…
لكن خفتُ أن تنام وأنت جائع…
فتركتها لك.
توقّف الزمن
نظر إلى الخبز… ثم إلى وجه أخيه…
وانهار
لم تكن صدمته في موته فقط…
بل في أنّ آخر ما فعله أخوه…
كان أن يُفكّر فيه
خرج في ذلك اليوم بلا هدف، يحمل قطعة الخبز في يده، كأنّها أثقل من الدنيا كلّها.
جلس على الرصيف، ينظر إليها طويلًا، ثم همس بصوتٍ مكسور:
“كنتُ أحميك… أم كنتَ أنت تحميني؟”
منذ ذلك اليوم، تغيّر كلّ شيء.
لم يعد يأكل قبل أن يُطعم غيره.
لم يعد يمرّ على جائع دون أن يتوقّف.
كان كلّما رأى طفلًا محتاجًا، رأى أخاه فيه.
لكنّه… لم يستطع أبدًا أن ينام مرتاحًا.
لأنّ هناك نداءً…
تأخّر في سماعه…
ولن يُغفَر.











