
عندما يتحول قانون الأسرة إلى مصنع للطلاق
بقلم: د.عبير عاطف
لم تعد أزمة قانون الأحوال الشخصية في مصر مجرد خلاف قانوني داخل المحاكم، بل تحولت إلى حالة مجتمعية شديدة الاحتقان، بعدما شعر كثيرون أن المقترحات المطروحة لا تعالج جذور انهيار الأسرة، بل قد تدفع نحو مزيد من الصراعات والانقسامات داخل البيت المصري.
فخلال الفترة الأخيرة طُرحت عشرات المقترحات المتعلقة بالحضانة، والرؤية، والاستضافة، والنفقة، والزواج، والطلاق، وسط جدل واسع بين الآباء والأمهات والخبراء.
ومن أبرز هذه المقترحات:
• نقل الأب إلى المرتبة الثانية مباشرة في الحضانة بعد الأم.
• استبدال “الرؤية” بنظام “الاستضافة”.
• ربط حق الأب في رؤية أبنائه بسداد النفقة.
• إسقاط الحضانة مؤقتًا حال منع الرؤية.
• تشديد العقوبات في قضايا النفقة.
• تنظيم الطلاق الشفهي وربطه بالتوثيق الرسمي.
• إلزام الزوج بإخطار الزوجة عند الزواج الثاني.
• مقترحات تتعلق بمنح المطلقة نسبة من ثروة الزوج بعد الطلاق.
ورغم أن بعض هذه البنود طُرح تحت شعار “تحقيق العدالة”، فإن الخوف الحقيقي هو أن يتحول الزواج نفسه إلى مشروع مهدد بالانهيار منذ بدايته، حين يشعر الرجل أن القانون ينظر إليه باعتباره الطرف المدان دائمًا، بينما تُمنح المرأة امتيازات واسعة دون النظر الكافي إلى مسؤولياتها أو إلى حق الأب في الحياة الأسرية الطبيعية.

فالقانون في صورته الحالية، ومع كثير من المقترحات الجديدة، أعطى مساحة أكبر لحقوق الزوجة بعد الطلاق، لكنه في المقابل همّش دور الأب بصورة واضحة، حتى أصبح في كثير من الأحيان مجرد ممول يلتزم بالنفقات، بينما يُحرم تدريجيًا من دوره النفسي والتربوي الحقيقي داخل حياة أبنائه.
ومع هذا التحيز غير المتوازن، بدأت تظهر آثار اجتماعية خطيرة، أهمها ارتفاع معدلات الطلاق بصورة لافتة، لأن بعض العلاقات الزوجية فقدت الشعور بالمسؤولية المشتركة والتوازن بين الحقوق والواجبات. وأصبح هناك من يرى أن الانفصال لم يعد يحمل نفس الخسائر القديمة، بل قد يتحول أحيانًا إلى وسيلة للحصول على مزايا قانونية أو مادية أكبر.
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية…
فالأسرة لا يمكن أن تستقر حين يشعر أحد الطرفين أن القانون ضده منذ البداية، ولا حين تتحول العلاقة الزوجية إلى معركة قانونية مؤجلة.
الأخطر من ذلك أن الطفل أصبح في قلب المعركة القانونية والنفسية.
فالطفل الذي يعيش بين جلسات الرؤية، والنفقة، ومحاضر الامتناع، وأحكام الاستضافة، قد يفقد شعوره الطبيعي بالأمان الأسري، ويتحول إلى وسيلة ضغط متبادلة بين الأبوين.
كما أن تحويل الأب إلى “زائر” في حياة أبنائه لساعات محدودة، لا يضر الرجل وحده، بل يخلق أجيالًا تنشأ بعيدًا عن التوازن التربوي والنفسي الذي يحتاج وجود الأب والأم معًا لتحقيقه.
المشكلة ليست في منح الحقوق، بل في غياب التوازن.
فالأسرة لا تُبنى بقانون يُشعر الرجل أنه مجرد ممول، ولا بقانون يجعل المرأة تخوض سنوات من النزاع لإثبات حقوقها، ولا بمنظومة تجعل الطفل موزعًا بين الانتقام والخصومة.
نحن لا نحتاج قانونًا يُدير الطلاق فقط، بل نحتاج قانونًا يمنع الوصول إليه أصلًا، ويحافظ على الترابط الأسري، ويعيد للتربية والاستقرار مكانتهما قبل أن تتحول الأسرة المصرية إلى مؤسسة هشة يسهل تفككها عند أول أزمة.
فالقوانين التي تُبنى على التوازن والعدل الحقيقي تحفظ البيوت، أما القوانين التي يشعر معها طرف بأنه مستهدف أو مهمش، فإنها لا تنهي الخلافات… بل تصنع مجتمعًا أكثر تفككًا وغضبًا.













