اقتصادمقالات متنوعة
أخر الأخبار

هل نشتري المنتجات.. أم نشتري المشــاعر؟

هل نشتري المنتجات.. أم نشتري المشــاعر؟

 

بقلم: د. محمود عزمي

باحث وخبير في التسويق الاستراتيجي وبحوث السوق والتحول الرقمي

تخيل أنك دخلت إلى متجر لشراء ساعة.

أمامك ساعتان متشابهتان تقريباً.. كلاهما يعرض الوقت بدقة، وكلاهما يؤدي الوظيفة نفسها. الأولى بسعر معقول، والثانية أغلى بعدة أضعاف.

ومع ذلك، يختار كثير من الناس الساعة الأغلى.

لماذا؟

هل لأنها تعرض الوقت بشكل أفضل؟

بالطبع لا.

في الواقع، ما يشتريه المشتري هنا ليس الساعة فقط، بل الشعور الذي يعتقد أنها ستمنحه له. شعور بالتميز، أو النجاح، أو الثقة بالنفس، أو حتى الانتماء إلى فئة معينة من الناس.

وهنا نصل إلى حقيقة مهمة في عالم التسويق وسلوك المستهلك.. الناس لا يشترون المنتجات فقط، بل يشترون المعاني والمشاعر المرتبطة بها.

فالإنسان بطبيعته كائن عاطفي أكثر مما يحب أن يعترف. ورغم أننا نحب أن نعتقد أن قراراتنا مبنية على المنطق والحسابات الدقيقة، إلا أن الأبحاث في علم النفس السلوكي تشير إلى أن المشاعر تلعب دوراً محورياً في معظم قراراتنا اليومية، بما فيها قرارات الشراء.

 هل نشتري المنتجات.. أم نشتري السعادة؟

ولهذا السبب لا تبيع شركات السيارات مجرد وسيلة للنقل، بل تبيع الشعور بالحرية والمكانة والإنجاز.

ولا تبيع شركات العطور مجرد رائحة جميلة، بل تبيع الجاذبية والثقة والحضور.

ولا تبيع شركات القهوة كوباً من القهوة فحسب، بل تبيع لحظة من الراحة أو بداية يوم مثالي.

المنتج في كثير من الأحيان ليس سوى وسيلة، أما ما يبحث عنه المستهلك فعلياً فهو الشعور الذي يتوقع الحصول عليه بعد الشراء.

ولعل أفضل مثال على ذلك ما يحدث مع الهواتف الذكية.

في كل عام تظهر إصدارات جديدة بمواصفات محسنة بشكل طفيف. ورغم أن ملايين الأشخاص يمتلكون أجهزة تؤدي جميع احتياجاتهم بكفاءة، إلا أن كثيرين يشعرون برغبة قوية في الترقية إلى الإصدار الأحدث.

ليس لأن الجهاز القديم توقف عن العمل، بل لأن الجديد يمنح إحساساً بالتجدد ومواكبة التطور وعدم البقاء خارج المشهد.

هنا لا يتم شراء الهاتف فقط، بل يتم شراء شعور معين. والأمر لا يقتصر على المنتجات الفاخرة أو التقنية.

حتى في حياتنا اليومية البسيطة، نجد أنفسنا نشتري أحياناً أشياء لم نكن نخطط لشرائها. قطعة ملابس إضافية، أو حذاء جديد، أو منتجاً شاهدناه في مقطع قصير على وسائل التواصل الاجتماعي.

بعد الشراء نشعر بسعادة مؤقتة، وكأننا حصلنا على مكافأة صغيرة.

ويفسر العلماء ذلك بأن الدماغ يفرز مادة تعرف باسم “الدوبامين”، وهي مادة ترتبط بالشعور بالمكافأة والتوقع. والمثير للاهتمام أن هذا الشعور يبدأ أحياناً قبل الحصول على المنتج نفسه، أي أثناء التفكير في الشراء أو توقع امتلاكه.

بمعنى آخر، ما يجذبنا أحياناً ليس المنتج، بل الوعد الذي يحمله.

وعد بالسعادة.

وعد بالراحة.

وعد بالقبول الاجتماعي.

وعد بأن نصبح نسخة أفضل من أنفسنا.

وهنا تكمن براعة التسويق الحديث.

فالشركات الناجحة لا تسأل نفسها: كيف نبيع هذا المنتج؟

بل تسأل: ما الشعور الذي يبحث عنه العميل؟

لذلك عندما نشاهد إعلاناً رياضياً، لا نرى الحذاء فقط، بل نرى شخصاً يتجاوز التحديات ويحقق النجاح.

وعندما نشاهد إعلاناً لوجهة سياحية، لا نرى الفندق والطائرة فقط، بل نرى الحرية والاسترخاء وصناعة الذكريات.

الرسالة الحقيقية ليست “اشتر هذا المنتج”، بل “اشتر هذا الشعور”.

لكن هل يعني ذلك أننا ضحايا للتسويق؟

ليس بالضرورة.

فالرغبة في الشعور بالسعادة أو النجاح أو الانتماء جزء طبيعي من الطبيعة البشرية. المشكلة لا تبدأ عندما نشتري بدافع المشاعر، بل عندما نخلط بين المنتج والشعور نفسه.

فلا توجد ساعة قادرة على شراء الثقة بالنفس.

ولا هاتف قادر على شراء السعادة.

ولا علامة تجارية قادرة على شراء القبول الحقيقي من الآخرين.

هذه أمور تنبع في النهاية من داخل الإنسان، لا من الأشياء التي يمتلكها.

لذلك ربما يكون السؤال الأهم قبل أي عملية شراء ليس: “هل أستطيع شراء هذا المنتج؟”

بل: “ما الشعور الذي أبحث عنه فعلاً؟”

لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف لنا أحياناً أننا لم نكن نريد المنتج من الأساس، بل كنا نبحث عن شيء أعمق بكثير.

وربما لهذا السبب، بعد أن تزول فرحة بعض المشتريات، نكتشف أن ما اشتريناه كان الشيء الخطأ لحل المشكلة الصحيحة.

 

 

 

د. محمود عزمي

كاتب وباحث وخبير تسويقي، بخبرة مهنية أكثر من 25 عاماً في قيادة المشاريع الاستراتيجية وبحوث السوق على مستوى الوطن العربي.حاصل على الدكتوراه في العلوم الإنسانية من جامعة كامبريدج، وماجستير سلوك المستهلك والتسويق العالمي من جامعة ليفربول، إلى جانب عضوية المنظمة العالمية لبحوث الاستطلاع والتحليل "ESOMAR".تقلد مناصب قيادية كبرى في قطاعات المبيعات والبحوث، وأشرف على صياغة دراسات استشارية واستراتيجية لجهات حكومية وشركات عالمية متعددة.كتاباته الصحفية تركز على تقديم قراءات تحليلية معمقة في مجالات التسويق الحديث، وتحولات سلوك المستهلك، والتحول الرقمي، إلى جانب تحليل مستقبل الأسواق العربية والعالمية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي