علم نفسمقالات متنوعة
أخر الأخبار

عندما يتحول العالم الكبير إلى عبء على قلوبهم الصغيرة

عندما يتحول العالم الكبير إلى عبء على قلوبهم الصغيرة

 

بقلم: رشا علواني

 

“ابني بيعيط بسرعة، وبنتي بتخاف من أبسط المواقف، وطفلي بيتوتر لو اتغيرت خطته اليومية.”

جملة أسمعها كثيرًا من الآباء والأمهات خلال جلسات الإرشاد النفسي، حتى أصبح السؤال الأكثر تكرارًا في السنوات الأخيرة: لماذا أصبح الأطفال أكثر حساسية وقلقًا من أي وقت مضى؟

هل أطفال اليوم أضعف من الأجيال السابقة؟ أم أن العالم من حولهم أصبح أكثر تعقيدًا وضغطًا؟

بعد أكثر من خمسة عشر عامًا من العمل مع الأطفال والأسر، أستطيع أن أقول بثقة: أطفال اليوم ليسوا أضعف، لكنهم يعيشون في بيئة أسرع وأكثر ضجيجًا وأقل أمانًا نفسيًا.

 

متى تتحول الحساسية إلى مشكلة؟

الحساسية في حد ذاتها ليست عيبًا أو اضطرابًا، بل هي قدرة الطفل على الشعور العميق والانتباه للتفاصيل والتفاعل مع ما يدور حوله.

لكنها تتحول إلى مشكلة عندما تبدأ في التأثير على حياته اليومية، مثل:

– الخوف المبالغ فيه من المواقف الجديدة.

– البكاء المتكرر لأسباب بسيطة.

– صعوبة الانفصال عن الوالدين.

– القلق المستمر من الفشل أو الخطأ.

– اضطرابات النوم والكوابيس.

– الشكوى المتكررة من آلام جسدية دون سبب طبي واضح.

– تجنب الأنشطة الاجتماعية أو الدراسية.

هذه العلامات لا تعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي، لكنها رسالة تحتاج إلى انتباه وفهم.

 

لماذا أصبح الأطفال أكثر قلقًا وحساسية؟

أولًا: التعرض المفرط للشاشات

أصبح الطفل يشاهد في دقائق معدودة كمية هائلة من المعلومات والصور والأخبار والمقارنات التي لم يكن الأطفال يتعرضون لها سابقًا.

المحتوى السريع والمتغير باستمرار يضع الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم، ويؤثر على التركيز والنوم وتنظيم المشاعر.

كما أن التعرض لأخبار مخيفة أو محتوى غير مناسب لعمر الطفل قد يخلق لديه شعورًا مستمرًا بعدم الأمان.

ثانيًا: الضغوط والتوقعات المرتفعة

كثير من الأطفال يعيشون اليوم تحت ضغط مستمر لتحقيق التفوق الدراسي والرياضي والاجتماعي.

يريد الأهل طفلًا متفوقًا، ومبدعًا، ومتحدثًا، وواثقًا من نفسه، وهادئًا في الوقت نفسه.

هذه الرسائل المتكررة تجعل الطفل يشعر أن قيمته مرتبطة بإنجازه، وليس بكونه محبوبًا كما هو.

ثالثًا: انتقال القلق من الكبار إلى الصغار

الأطفال لا يتعلمون القلق، بل يلتقطونه.

عندما يعيش الطفل وسط أجواء مليئة بالتوتر أو الخلافات أو الخوف المستمر من المستقبل، يبدأ في تبني هذا القلق دون أن يفهم أسبابه.

فالطفل يقرأ تعبيرات الوجه، ونبرة الصوت، وطريقة تعامل والديه مع الضغوط أكثر مما يستمع إلى كلماتهم.

رابعًا: نقص اللعب الحر والتواصل الحقيقي

اللعب ليس رفاهية، بل هو الوسيلة الأساسية التي يعالج بها الطفل مشاعره.

لكن مع زيادة وقت الشاشات وضيق الوقت وكثرة الالتزامات، فقد كثير من الأطفال فرص اللعب الحر والحركة والتفاعل الاجتماعي الطبيعي.

والنتيجة هي تراكم المشاعر دون مساحة صحية للتفريغ.

خامسًا: المبالغة في الحماية

بدافع الحب والخوف، يحاول بعض الآباء إزالة كل العقبات من طريق أبنائهم.

لكن الطفل يحتاج إلى مواجهة تحديات مناسبة لعمره حتى يكتسب الثقة والمرونة.

عندما نحمي الطفل من كل تجربة مزعجة، نرسل له رسالة غير مباشرة تقول: “العالم مخيف، وأنت غير قادر على مواجهته.”

كيف نساعد أطفالنا؟

١. امنحوا المشاعر مساحة آمنة

بدلًا من قول:

“ما تخافش.”

“ما تعيطش.”

“أنت مكبر الموضوع.”

جربوا أن تقولوا:

“أنا شايف إنك قلقان.”

“حاسس إن الموقف كان صعب عليك.”

“أنا معاك، وهنعرف نتعامل مع اللي مضايقك.”

الاعتراف بالمشاعر هو أول خطوة لتنظيمها.

٢. قللوا وقت الشاشات

ضعوا قواعد واضحة لاستخدام الأجهزة الإلكترونية، وخصصوا وقتًا يوميًا للأنشطة الحركية واللعب والتواصل الأسري.

فالطفل يحتاج إلى البشر أكثر من الشاشات.

٣. علموا أطفالكم أن الخطأ جزء من التعلم

امتدحوا المحاولة والاجتهاد، وليس النتائج فقط.

فالطفل الذي يشعر أن الحب مرتبط بالكمال، سيعيش في قلق دائم من الفشل.

٤. كونوا نموذجًا للهدوء

اعتنوا بصحتكم النفسية، لأن الطفل يتعلم من طريقة تعاملكم مع الضغوط أكثر من أي نصيحة تقدمونها له.

٥. اسمحوا لهم بخوض تجارب جديدة

امنحوا الطفل فرصًا مناسبة لعمره لاتخاذ قرارات بسيطة، وحل المشكلات، وتحمل المسؤولية.

الثقة بالنفس لا تُعطى، بل تُبنى بالتجربة.

متى نطلب المساعدة المتخصصة؟

يُنصح باستشارة أخصائي نفسي إذا استمرت أعراض القلق لفترة طويلة، أو أثرت على نوم الطفل أو دراسته أو علاقاته الاجتماعية، أو إذا ظهرت أعراض مثل نوبات الهلع، أو الانسحاب الشديد، أو المخاوف المبالغ فيها.

التدخل المبكر لا يعني وجود مشكلة كبيرة، بل يمنع تفاقمها.

في النهاية

أطفالنا لا يحتاجون إلى آباء مثاليين، بل يحتاجون إلى بالغين قادرين على الاستماع والاحتواء.

فالطفل الذي يشعر بالأمان العاطفي لا يخلو من الخوف، لكنه يتعلم كيف يواجهه.

وفي عالم يزداد سرعة وضغطًا كل يوم، ربما يكون أعظم ما نقدمه لأطفالنا هو أن نخبرهم:

“مشاعرك مهمة، وأنت لست وحدك.”

رشا علواني

أخصائي نفسي ومدرب معتمد من عدة جهات دولية، حاصلة على ماجستير في الاضطرابات الجنسية للأطفال والمراهقين، مرشد أسري وزواجي، تهتم بالدعم النفسي والمجتمعي، وتسهم في التوعية الأسرية بمحتوى إنساني وتوجيهي عبر الإعلام، صحفية بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي