
ظاهرة الاستنزاف العاطفي
بقلم: د.أحمد لطفي شاهين
قبل سنوات الحرب في غزة كنت أعمل في مؤسسة استشارية شاملة وجاء إلى مكتبي شاب يشتكي من علاقة مع فتاة زميلته في الجامعة.. وبحكم التخصص الدقيق في دراستهم كانت الدفعة قليلة العدد والدراسة مختلطة ومع الأيام أصبح يحبها وتحبه وأراد أن يتزوجها.
طلب منها أن يتكلم مع أبوها ولكنها كانت تؤجل وتختلف معه أحياناً، تقاطعه ثم تتصالح ثم تغيب فترات طويلة، تتجنبه وتتجاهله ثم تظهر وكل مرة يكون عندها ذرائع متنوعة وكان هو يسامحها دائماً.. وهكذا كان يعيش حالة من عدم الاستقرار النفسي معها لكنه متمسك بها وهي تعبث به..
واكتشف أنها تفعل نفس الأمر مع زميل آخر في نفس الكلية.
كنت أكتب ما يقول وبعد انتهاء الجلسة اكتب ملخصاً للتوثيق والمراجعة.. وخلال بحثي في الملفات مؤخراً قررت أن أكتب مقالتي هذه لتكون محرك الوعي لكل من يمر بهذا النوع من العلاقات التي تستنزِف العاطفة وترهق الأعصاب..
خصوصاً أن هذه الظاهرة منتشرة في ظل علاقات الإنترنت المشبعة بالكذب.
نعم..
كثير من العلاقات لا تُكسر بشكل واضح ولا يشعر أطرافها أنها انتهت..
بعضها يُترك على نارٍ هادئة.
لا لينضج… بل ليُستهلك ويتبخر حتى آخر قطرة.. هناك شاب أو فتاة لم يتم الهجر بينهما بوضوح لأن الرحيل الواضح رحمة، لكن أحدهما ترك الآخر في منطقةٍ رمادية.
فلا شيء ينتهي… ولا توجد ملامح حياة.
في بداية العلاقة يكون كلاهما ممتليء بمشاعر تكفي العالم كله لكن أسلوب الاستنزاف يؤدي الى تبخر المشاعر ببطء.
دون صوت استغاثة، دون مشهد درامي واضح، فقط نقصان مستمر في الروح، وحين تقترب المشاعر من الجفاف، وحين يصل أحدهما إلى تلك اللحظة الحاسمة التي يرى فيها الحقيقة لأول مرة، يظهر الطرف الآخر فجأة.. ليس بدافع الشوق، بل بدافع السيطرة..
يقترب بدقةٍ غريبة كمن يعرف تماماً أنك كنت ستنتهي.. وذلك ليمنع النهاية..
يسكب القليل من المشاعر ليس كرماً بل استراتيجية مدروسة بخبث، فيها كلمات دافئة لكنها غير صادقة، اهتمام سريع لكنه غير مقيم، حنان خفيف لا يُشبع لكنه يكفي ليُعيد الاشتعال وتجديد المشاعر.. ثم ينسحب ..
هو دائماً ينسحب ويغيب..
أو يبقى موجوداً ليعذب الطرف الآخر الموجوع.. لأنه ببساطة ليس طرفاً شريفاً ولا يعيش علاقة صحيحة بل هو يُمارس إدارة الاستنزاف العاطفي..
يتعامل معك كمصدر للتسلية وإشباع حاجة نفسية.. هو / هي مريض نفسي لا يريد قربك فعلاً ، بل يريد استجابتكِ.
ولا يعنيه حضوركِ..
بل يعنيه أن يظل داخلك مكانٌ مشتعِل به.
هو لا يبحث عنك..
هو يراقبك فقط.
يريد أو تريد أن يرى هل ما زلت تحترق؟
واحتراقك هذا يجعله يتمتع.
إن الأذى الحقيقي ليس في الغياب المستمر بل في التعذيب المستمر أو الغياب المتقطع ثم تلك “العودات الصغيرة” التي لا تُعيدكم للعلاقة بل تُعيدكم لنقطة البداية في الاستنزاف.
في كل مرة تظن أنه عاد
يكون في الحقيقة قد عاد ليؤجل انهيارك ..
ليُبقيكِ صالحاً للاحتراق لفترة أطول ومع الوقت
لا أحد يعود كما كان، فلا أنت ممتليء، ولا أنت فارغ بما يكفي لتنجو.. بل انت في حالة وسطى مؤلمة..
أنت موجود .. لكن مُنهك.
حي .. لكن مُستهلك.
تُحب .. لكن بلا طاقة.
والأقسى من كل ذلك ..
أنك لا تكره الطرف الآخر، بل تحيا على الأمل، وتنتظر تلك القطرات التي أصبحت بديلاً عن نهر الحب الذي كنت تحلم به.
إن نجاتك هنا ليست قراراً عاطفياً بل وعياً قاسياً..
أنت لم تكن في علاقة بل في دائرة مُفرغة تعيش احتياجاً لا يتم إشباعه، ومن المؤسف أن الطرف الصادق هو الذي يتوجع في هذه المعركة.
ختاماً..
نصيحتي لكم.. متقلب الود لا يؤتمن، فارفعوا أنفسكم عن النار. حتى لو بقي الطرف الآخر واقفاً ينتظر أن تغلي من أجله مرةً أخرى.
فيا أعزائي بعض الرجال أو النساء لا يريدون علاقة حقيقية، بل يريدون دليلاً مستمراً أنهم ما زالوا قادرين على إشعال الطرف الآخر.
وبعض المحبين لا ينكسروا لأنهم ضعفاء بل لأنهم أوفياء في زمن لا يعيش على الوفاء بل على الاستنزاف إلى حد التلاشي.
الخلاصة..
من يحبك يجب أن تشعر معه بالأمان، والأمان أهم من الحب، ثم الاهتمام المستمر بالطرف الآخر، ثم الاحترام والتقدير بين الطرفين حتى تبدأ وتستمر وتستقر الحياة الزوجية.
أرجو أن تستوعبوا الدرس..
أما عن القصة التي بدأت بها المقال فقد اتفق الشابين على مواجهة الفتاة وتم إحراجها وانتهت علاقتها بالطرفين للأبد.
فمن يطارد عصفورين يفقدهما معاً، وأهم نقطة في دوام العلاقات هي الصدق والإخلاص والوفاء.













