أدبيمقالات متنوعة

أيام علىٰ البال

أيام علىٰ البال

بقلم: الكاتبة شيرين سعودي

في هذا الصباح أفقتُ متكاسلة على غير ‏عادتي، ‏نظرت عبر زجاج النافذة الذي تبلل بقطراتِ ‏المطر ‏المتساقطة عليه، يبدو الجو غائمًا بالخارج ولم تسطع الشمس كما عودتنا كل صباح…‏أحب هذا الجو كثيرًا، فهو يبشر بيوم هادي وبقاءٍ في المنزل وإستمتاع بالجلوس بجوار المدفأة، وكوبٍ من الشوكولاتة الساخنة يتصاعد دخانه ‏ناشرًا الدفء في القلوب.‏

هذا الجو يبعث بداخلي طاقة من الرومانسية والرغبه في السكون ‏والبقاء في ركني المفضل والاستماع للموسيقى، وإفراغ العقل من أي مشاكل أو مشاغل قد تعكر صفو اليوم، شردت واستسلمت للأفكار والذكريات. لطالما أحببت هذه ‏الجلسة التي تشحن النفس بطاقة لإكمال المسيرة.
‏جال بخاطري ذكرى ‏رحلتي الأخيرة إلى إيطاليا الساحرة، روما الجميلة المختالة بجمالها وقصورها وتماثيلها التي تقف شامخة في كل الميادين، أينما توجهت وجدت جمالًا ، وكأنك تتجول في متحف مفتوح مليء بالفنون ‏بشتى أشكالها.
‏و تذكرته وارتسمت على محياي ابتسامة خافتة …‏باولو ،‏ ذلك الشاب الأسمر، الرياضي القوام والمشية،‏ كان ملفتًا جدًا في اللقاء الأول برغم وجوده وسط مجموعة كبيرة من الأصدقاء في بهو الفندق حيث كنت أجلس وحيده في ركن هادئ استمتع بقهوة الصباح واستعد لجولة اليوم، ‏كان صاخبًا ذو صوتٍ عال ، يوجه حديثه لكل الأشخاص في كل الاتجاهات، ‏وهم ملتفون حوله يضحكون لكلامه، يملك ضحكة عالية هادرة ‏ووجهًا وسيم الملامح، لاحظت وقتها أنه بين الفينة والأخرى يرمي في اتجاهي نظرة عابرة ولكنها ثاقبة لا يخطئها حدس المرأة، وتوالت نظراته، ‏ثم اتجه نحوي في خطوات ثابتة بمشيته الملفتة وعيناه مركزتان على طاولتي، تظاهرت بعدم الانتباه ثم ما لبثت أن رفعت نظري فوجدته واقفًا أمامي مباشرةً مسددًا نظراته إليّ، والتقت عينانا.
كان إحساسًا غريبًا لم أعهده منذ فترة طويلة .
ووجدتني أنظر في عينيه ولا أحاول أن أُشيحَ بنظري عنهما، بادرني بالتحية باللغة الايطالية فرددت التحية بلغته مستعينة ببعض الكلمات التى اكتسبتها من وجودي في إيطاليا منذ عدة أيام .
حاول أن يكمل حديثه بالإيطالية لكني استوقفته واعتذرت له بالإنجليزية موضحةً أنَّني لا أعرف من لغته سوى هذه الكلمات البسيطة التي استخدمتها في رد التحية وفقط، تابع حديثه بلغة إنجليزية ركيكة جدًا…كان حديثه شيقًا برغم صعوبة فهم بعض الكلمات، وعندما عرف أنِّي عربية و تحديدًا مصرية تحمس كثيرًا، وبدأ يحكي لي عن أصوله العربية وولادته في إيطاليا من أب مسلم مصري الأصل وأم إيطاليه، وبحماس طفولي وبريق في عينيه استرسل في سرد ذكريات طفولته المبكرة التي قضاها في الإسكندرية مسقط رأس والده.
‏كُنتُ منذ بداية الرحلة أنزل مبكرًا إلى بهو الفندق و أتبادل بعض الأحاديث البسيطة ‏مع موظفي الاستقبال الذين احمرت عيونهم من السهر في وردية الليل، وأشرب قهوتي في هدوء قبل أن يمتلئ المكان بالرواد، وأسكن بجوار النافذة أراقب الجو المتقلب فتارة مشمس على استحياء وكثيرًا غائم وممطر.

‏أحيانًا كنت أشعر بالإرهاق من صعوبة لغة الحوار بيني وبينهم حيث أن أغلبها إشارات و ابتسامات بلهاء تنم عن عدم فهم معظم الكلام المتبادل بيننا، وأحيانًا كنت أمَّل وأعود إلى غرفتي لأقرأ قليلا وأراجع خطة العمل والجولات اليومية.
‏كانت رحلتي إلى إيطاليا هي الأولى في مهمة عمل سريعة لكنني قررت أن انتهز الفرصة في أن أُعدَّ لنفسي جدولًا سياحيًا بسيطًا لاستمتع بجمال هذا البلد الذي طالما سمعت عنه، وأتعرف عن كثب على الإيطاليين الذين قرأت الكثير ‏عن حبهم للحياة وتفننهم في الاستمتاعِ بها.
أدهشني كثيرًا عدم ترددهم في التعبير عن مشاعرهم بشكل صارخ فتجدهم يستمتعون حتى الثمالة بأي شئ وبكل شئ.
حبهم للطعام، الموسيقى، التنزه وكرة القدم .‏
وكذا تعبير المحبين عن مشاعر الحب في شوارع روما الجميلة ..حتى اشتهرت بأنها بلد العشاق، ربما كان لروعة الطبيعة وسحرها هناك علاقة بذلك.
وما أن ظهر باولو في الأفق …حتى تغير طعم الأيام المتبقية في رحلتي…عرف موعد تواجدي في بهو الفندق بذكاء فطري ربما ..وربما بالخبرة، ومنذ حينها لم يخطئ موعدًا …ما أن كنت أهبطُ من غرفتي إلا وأجده داخلًا إلى البهو،  وعيناه مصوبتان إلى حيث أجلس دائمًا ويقترب …ثم يبدأ حديثًا طويلًا شيقًا رغم صعوبة التفاهم بين اللغات المختلفة …كان أحيانًا يسألني عن شوارع بعينها في الإسكندرية، عن الأغاني القديمة التي كان يسمعها في زياراته القليلة ومازالت عالقة في ذاكرته منذ الطفولة البعيدة …و فجأة يقف في حركة تمثيلية و يبدأ في الغناء بما يتذكر من كلمات الأغاني بلهجةٍ مصرية ينطقها بشكل طريف جدًا ثم ينفجر ضاحكا ساخرًا من صوته و أداءه ، يسأل عن كلمات عربية ويظل يرددها محاولًا حفظها.

أحيانًا كان يتحدث عن ذكرياته مع والديه، وكيف علمه والده الصلاة وكان يصر علي أن يؤديها بانتظام، وكيف أنَّهُ لم يحافظ عليها منذ توفى والده، إلَّا أنَّهُ يحاول المحافظة على الموروثات العربية التي غرسها فيه احترامًا لذكراه، يحكي عن إيطاليا وعن أماكن خلابة لا يعرفها إلا أهلها فقط ولا يصل إليها الزوار الغرباء…
في وقت قليل استطاع ان ينقلني إلى عالمه السحري، جولات رائعة كلما سمح الوقت …وأحاديث وحكايات لا تنتهي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي