كانت الحيرة قد غلبت عليها، ولم تكن أبدًا على استعداد أن تواجه الأحداث، فقررت الهروب من كل هذا، وقامت بالاتصال هاتفيًا بأحد أصحابها المعروف عنه الثراء والذي والده كان يدعوها دائمًا إلى فيلته فى الساحل الشمالى التي أهداها له عند حصوله على الثانوية العامة.
اتصلت به ليأتي مسرعًا تحت باب العمارة وينتظرها، وقبل خروجها تركت رسالة بخط يدها تقول فيها باختصار شديد:
– لا تبحثوا عني فأنا ذاهبة ولن أعود!
ثم خرجت من الباب لتتركوراءها كل ماضيها، وقبل أن تنطلق، وقفت للحظات تسترق السمع لتعرف ماذا جرى للبنات، فسمعت أصواتهن وهن يتحدثن مع آمال وهي تُداعبهن وتُلاعبهن.
نزلت وركبت السيارة مع صديقها وانطلقا فى طريقهما إلى الساحل معًا، إلى حياة الغفلة والمجون، توقفا فى الطريق عدة مرات لشراء ما تحتاجه الليالي الحمراء التي تنتظرهما، وقد عرفت بل عزمت أمرها إلى هذا الطريق، هربت إلى مصيرها وجرعتها المستقبلية من الفشل المحتوم.
وقف كمال أمام استقبال المستشفى ينهي إجراءات الخروج، وأخذ آخر التعليمات بمواعيد الكشوفات والفحوصات، وقد لاحظ أن المبلغ المطلوب كان أقل بكثير مما توقع، ولكنه لم يهتم كثيرًا بهذا، وكل ما كان يشغل باله في تلك الآونة هو العودة إلى المنزل، وكأنه يريد أن يمسح من ذاكرته هذه الأيام القليلة.
انطلق بزوجته حالمًا متمنيًا الرجوع إلى الوراء إلى عشه الذي افتقده، ورغم قصر المدة إلا أن أحداثها وما ترتب عليها كان أكبر بكثير من زمنها.
انطلق مسرعًا بسيارته يريد أن يطير إلى بيته وبناته وحياته وعمله ومكتبه الذي غاب عنه، كما إنه من حين إلى آخر يداعبه طائف يطوف بخياله منذ وقعت عيناه عنوة عليها وهي تسير أمامه شبه عارية ويتذكر كل المرات التي كان يراها فيها بحكم جيرته وصداقتها وإعجابه بها وبشخصيتها، نعم في ظرف عصيب لكنه ترك أثره رغم محاولاته طرده من الذاكرة.
سمعت آمال وقع أقدام كمال وليلي عند باب البيت ففتحت مسرعة وخرجت تطلب منهما الدخول عندها، وهي تحاول أن تشرح بهدوء ما حدث وما اضطرت إليه، لكن ليلى شكرتها دون السماع إلى الكثير؛ فكانت ترغب فى الدخول إلى بيتها لترتاح بعد هذه الأيام الثقيلة فى المستشفى:
– شكرا يا آمال قد كنت حقًا خير جارة، وقمت بعمل الكثير، ولا أدري كيف أرد لك هذا الجميل،ربنا يقدرني حبيبتي.
– أبدًا يا ليلى، لا تقولي هذا، أنا معكم بكل ما أملك من قوة إن شاء الله.
كانت ريم تحتضن أمها ومن ورائها مريم وإنجي فى منظر مهيب وحب عميق ودمعات الفرح من ليلى لتلك الأحضان التي افتقدتها لأيامٍ دون سابق إنذار.
فتح كمال باب شقته ولا زالت آمال تريد أن تستوقفه حتى ترى طريقًا لشرح الأحداث، إلا أنه لم تمر لحظات حتى كان كمال وليلى والبنات داخل بيتهم، هنا أدرك كمال أن شيئًا ما غير طبيعي قد مرت به هذه الحوائط وأنها تكتم وراء صمتها سرًا ما، ففهم سبب محاولات آمال منعهم من دخول البيت، وقرر أن يجلس ليسمع منها الأحداث.
أما ليلى فقد لاحظت تلك البقع الحمراء على وجه ريم واحتضنتها وهي تسألها:
– ما هذا حبيبتي؟
– لا أعرف يا أمي لقد استيقظت ووجدتها هكذا، فذهبت إلى أبلة آمال التي وضعت لي مرهمًا، وقالت لي سنقوم بعمل تحليل عند عودتكما.
جلست ليلى تستجمع قواها ووقف كمال غاضبًا وهو يطلب الإيضاح، هنا تكلمت آمال وبدأت في سرد الأحداث كما تراها، وكما شرحتها لها ريم ومريم وجيجي، وكيف كانت صابرين، وهنا لاحظ الجميع هروب صابرين من المنزل قبل وصولهم.
كانت صدمة قوية على كمال، نعم، كان يعرف أن صابرين كثيرة الشغب وهي طفلة، ولكنها منذ جاءت لم يلحظ عليها شيئًا وبدأ فى لوم الذات، وكيف أنه لم يلحظ هذه الشقية وكيف ترك لها الباب على مصراعيه.
وقفت ليلى تحتضن ريم وتطمئنها أن كل شئ سيكون على ما يرام إن شاء الله، ثم تقول لها:
– حبيبتي الأمر هين والحمد لله، مجرد بقعتين لونهما أحمر، غدًا سوف يذهبان وتعودين مثل القمر في ضيائه.
– إن شاء الله يا أمي إن شاء الله.
أخذت آمال كمال على جانب وقالت له سرًا وبصوت خافت:
– يجب عليّ أن أقوم بعمل تحاليل دم حتى نعرف سبب هذه البقع وماهيتها بسرعة.
– نعم أنت محقة.
– إذًا سأصطحب ريم إلى المعمل الآن، ما رأيك؟
نظر كمال إلى ليلى ثم اقترب منها ليروي لها طلب آمال دون أن تسمع ريم حتى لا تنزعج أكثر من ذلك فوافقت ليلى على الفور.
أغلق كمال الباب وراء آمال التي اصطحبت ريم إلى المعمل ووقف ينظر إلى بيته وليلى، ثم أخذا يرتبان البيت معًا وبمساعدةالبنات كما كان سابقًا، ورغم السعادة التي بدت على الجميع إلا أنهم كانوا يدركون تماما أن شيئًا ما قد ذهب ولن يعود.
كانت صابرين قد تركت رسالتها المقتضبة فوق المنضدة والتي لاحظها كمال أثناء مساعدته فى ترتيب البيت وقرأها لكنه تخيل أنها أحد أفعال صابرين، وأنه من قبيل اندفاع الشباب، وأنها عائدة إلى بيتها لا محالة وإلا أين ستذهب؟
ولم يعر الأمر اهتمامًا كبيرًا.
رغم كل الأحداث من حولي، إلا أنني كنت أعيش تجربة جديدة عليّ تماما. كما قد أعطتني رحلتي مع ريم من المنزل إلى المعمل ذهابًا وعودة نشوة داخلية لم أشعر بها أبدًا من قبل، وكل هذه الوحدة التي كانت تحاصرني في كل مكان قد بدأت في التلاشى رويدًا رويدًا، وسكن جسدي وعقلي نوعًا ما من النشاط الاجتماعي الذي افتقدته منذ زمن طويل.
فى المعمل طلبت أن يرسلوا نتيجة التحليل لي على المستشفى فى أسرع وقت، ثم توجهت مع ريم إلى السوبر ماركت واشتريت لها هي ومريم وإنجي بعض الشوكولاتة والحلوى، ثم عدنا أدراجنا إلى البيت، وهناك فتحت لي الباب ليلىوبادرتني برقتها وثباتها المعتاد.
– أشكرك جدًا يا آمال ربنا يجعله فى ميزان حسناتك حبيبتي.
– العفو، لم أقم إلا بعمل واجبي بل وأقل.
– لا بصراحه أنت وقفت بجوارنا وقفه عُمْر بالنسبة لي، وربنا إن شاء الله سوف يجازيك و يرزقك كل خير.
– آمين يارب يا ليلى، ادعيلى فمن المعلوم أن دعاء المريض مستجاب.
– أكيد يا آمال بإذن الله، أنا فعلًا بادعي لك من كل قلبي.