جاهلية العرب قديما

جاهلية العرب قديما
الكاتب: حافظ الأسيوطي
في جاهلية العرب كان مقياس الرفيع من الوضيع هو كثرة المال وكثرة الموالين والمنصب المشغول في المجتمع، فإن حاز أحدهم تلك الصفات وفاته حسن الجوار والرحمة والإحسان وعفة اللسان، فكأنما ما فاته شيء، ولا يُنكر عليه الناس ما اقترف؛ إذ هو في منعة من الناس بالمال والقبيلة، فإن ساد قومه فهو بذلك ينال ما يستعصي على غيره.
فلما جاء الإسلام ردَّ قدر الناس في الناس بقدر الخُلق الطيب ونفع الناس، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأبيضَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أبيضَ إلّا بالتَّقوى، النّاسُ من آدمَ، وآدمُ من ترابٍ”.
وبذلك التقييم صار الناس جسدًا واحدًا، لا يتنافسون إلا في الخيرات والعمل الصالح، ولا يشغل المال أو الجاه أحدًا، فلا فائدة مما لا يرفع القدر إن وُجد، ولا ينقصه إن غاب.
ولكن مع تقلب الأيام تسللت الدنيا إلينا فكبلتنا، وأقمنا حكمها في قلوبنا، فصرنا نبتغيها ونحتكم لأحكامها دون حكم الله ورسوله، وعدنا إلى ما كنا عليه من تقدير الناس على قدر ما يملكون من مال وجاه وسلطة، وأعدنا هذا لِجاهلية وإن كانت في محيط التطور العلمي الرهيب؛ إذ لا قيمة للإنسان في ذاته، بل بما ملك وما فقد.
ولسوف تحيطنا الجهالة، فأما أن تفتك بنا فنذهب غير مأسوفٍ علينا، أو يمنَّ الله علينا بنور الإسلام، فتنكشف الغمة وتنقشع الظلمة، ويعود الإنسان إنسانًا لا يرى إلا بعين الحق، ويضع ما دون ذلك.











