
” رُكوعٌ عندَ بوابةِ الكبرياءِ”
بقلم: هند زيدان
المشهدُ السابعُ
” رُكوعٌ عندَ بوابةِ الكبرياءِ”
لَمْ تَتْرُكْ وَرَاءَهَا بَابًا مُوَارَبًا،
وَلَا حَتَّى ظِلًّا يُشِيرُ إِلَى أَيْنَ مَضَتْ.
لَكِنَّهَا فَقَطْ شَدَّتِ الْخَيْطَ.
شَدَّتْهُ بِبُطْءٍ… كَمَنْ يَجُرُّ دُمْيَةً مُنْهَكَةً فَقَدَتْ مَفَاتِيحَهَا.
فَإِذَا بِهِ، فَجْأَةً، يَسْقُطُ.
فِي الْيَوْمِ ذَاتِهِ،
رَآهُ النَّاسُ يَرْكُضُ… لَا كَمَنْ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ،
بَلْ كَمَنْ يُطَارِدُ أَوْهَامًا تَسْكُنُ دَمَهُ.
رُكْبَتَاهُ تَهْوِيَانِ أَحْيَانًا،
أَنْفَاسُهُ تَنْهَشُ صَدْرَهُ،
وَجْهُهُ مُلَوَّثٌ بِالتُّرَابِ،
وَيَدُهُ تَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ جَبِينٍ لَا يَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي النَّارُ.
لَمْ يَتَحَدَّثْ،
لَكِنَّ كُلَّ مَنْ رَأَى مِشْيَتَهُ الْمُبَعْثَرَةَ،
جَسَدَهُ الَّذِي يَرْتَجِفُ رَغْمَ حَرِّ النَّهَارِ،
عَلِمَ أَنَّ الذُّلَّ فِيهِ صَارَ هَيْئَةً.
عِنْدَ أَحَدِ الْأَرْصِفَةِ، جَلَسَ فَجْأَةً،
رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى وَجْهِهِ،
لَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَبْكِي…
بَلْ يَمْسَحُ أَثَرَ السُّقُوطِ مِنْ عَلَى فَمِهِ.
كَأَنَّهُ سَقَطَ قَبْلًا، قُبْلَةً مُهَانَةً، عَلَى شَيْءٍ لَمْ يُرَ.
ثُمَّ نَهَضَ،
لَا لِيُكْمِلَ الطَّرِيقَ…
بَلْ لِيَزْحَفَ، يَزْحَفُ إِلَى رُكْنٍ يَظُنُّ أَنَّهَا مَرَّتْ مِنْهُ.
شَمَّ الْأَرْضَ، نَعَمْ…
كَمَا يَشُمُّ الْعَبْدُ رَائِحَةَ سَيِّدِهِ فِي خُفٍّ قَدِيمٍ.
وَحِينَ سَمِعَ هَاتِفًا يَرِنُّ خَلْفَهُ،
ارْتَمَى نَحْوَ الصَّوْتِ،
كَمَنْ يُقَبِّلُ احْتِمَالًا، لَا حَقِيقَةً.
كَمَنْ يَسْجُدُ لِاسْمٍ، لَا لِنِدَاءٍ.
فِي لَحْظَةٍ أُخْرَى،
شُوهِدَ وَاقِفًا أَمَامَ نَافِذَةٍ لَا يَرَى مِنْهَا شَيْئًا،
كَفُّهُ عَلَى الزُّجَاجِ،
جَبْهَتُهُ مُنْحَنِيَةٌ عَلَيْهِ،
وَعَيْنَاهُ مُطْفَأَتَانِ…
كَأَنَّهُمَا لَا تُرِيدَانِ أَنْ تَرَيَا سِوَى الْخَيْطِ،
الْخَيْطِ الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ، لَكِنَّهُ يُشْعِرُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ.
هُوَ لَمْ يَكُنْ رَجُلًا هُنَاكَ،
بَلْ شَيْئًا يُسَاقُ، يُسْحَبُ، يُنَادَى إِلَيْهِ دُونَ نِدَاءٍ.
وَكُلَّمَا هَمَّ أَنْ يَصْحُوَ،
جَاءَهُ ارْتِعَاشٌ فِي أَصَابِعِهِ…
عَلَامَةُ الْخَيْطِ.
هُوَ لَيْسَ عَاشِقًا، وَلَا غَبِيًّا،
بَلْ شَيْءٌ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنْ يُهَانَ،
وَكُلَّمَا حَاوَلَ أَنْ يَنْتَزِعَ نَفْسَهُ،
تَذَكَّرَتْهُ الرُّكْبَةُ الَّتِي انْثَنَتْ بِالْأَمْسِ،
وَالْجَبْهَةُ الَّتِي لَمْ تُرْفَعْ بَعْدُ،
وَالصَّوْتُ الَّذِي لَمْ يُؤْمَرْ بِالْكَلَامِ،
فَصَمَتَ.
هُنَيْدَةُ زَيْدَانَ









