
الاحتياج فعل إنساني لا مفر منه
بقلم: أسماء سعد فايد
ليس الاحتياج تلك الفكرة التي نخجل منها، بل الحقيقة التي نحيا بها دون أن نملك شجاعة الاعتراف. فالبشر، مهما حاولوا ارتداء ملامح الصلابة، يظلون مخلوقات مُصمَّمة على الاتكاء: نتكئ على كلمة، على كتف، على ذكرى، أو حتى على حضن لم يأتِ بعد.
الاحتياج لحظة يكتشف فيها الإنسان أن روحه ليست كتلة واحدة، بل شقوق دقيقة تحتاج إلى دفء ليلتئم. لا أحد يعترف بذلك صراحة؛ الجميع يخفي هذا الضعف الذي لا يشبه الضعف، بل يشبه الحقيقة التي نخاف منها. الحقيقة أن الإنسان لا يكتمل وحده… وأن أقسى ما قد يحدث لروحٍ بشرية هو أن تُطالَب بالاكتفاء بذاتها طوال الوقت.
الحضن ليس مجرد تلاقٍ بين جسدين، بل تلاقٍ بين هشاشتين، بين خوفين يقرران لحظة صدق. الحضن فعل عميق، يشبه الصلاة؛ لا يُمارَس بالكلمات بل بالسكوت. لحظة يتراجع فيها العالم، ويتقدم فيها قلب واحد ليقول لقلب آخر:
أنا أراك… وأحملك كما أنت، دون تزيين، دون استعراض، دون دروع.

أما الحب، فليس قصتنا الساذجة عن الرومانسية، ولا تلك الأمنيات التي تشبه الرسائل المدرسية. الحب أعمق من ذلك بكثير؛ هو قدرة شخصٍ على أن يتلقّاك في أشد لحظات ضعفك دون أن يرتبك.
هو أن تجد من يفهم ألمك قبل أن تنطقه، ومن يلمس روحك قبل أن يلمس يدك. الحب ليس وعدًا بالمكوث، بل فهمًا عميقًا: أن الاحتياج ليس نقصًا فيك، بل مساحة تسمح بدخول الضوء.
نحن لا نحتاج إلى الكثير… نحن فقط نحتاج إلى من يفهم أن الإنسان، مهما بدا قويًا، يتآكل داخليًا حين يُترك دون حضن. إلى من يدرك أن أقرب الطرق إلى شفاء الروح ليس الكلام، بل أن تشعر بأنك مُحتضَن، مقروء، ومفهوم.
وفي النهاية، يبقى الاحتياج اعترافًا بأننا بشر، ويبقى الحضن المكان الوحيد الذي لا يكذب، ويبقى الحب الفعل الأكثر عمقًا في الوجود… الفعل الذي لا نجرؤ على تعريفه، لكننا نتعرف عليه حين يلمس قلوبنا مرة واحدة، بعُمق لا يزول.













