
وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
بقلم: د. أحمد النجار
الليلة.. لأول مرة أرى المعنى الحقيقي لقوله تعالى:
﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾
آية 50 من سورة القمر
كانت اللحظة عابرة في حساب الزمن، لكنها عظيمة في حساب القلب. كنا جلوسًا ننتظر صلاة القيام، والسكينة تملأ أرجاء المسجد، والمصلّون يؤدون سنة العشاء بخشوع ظاهر.
أحدهم تحرك خطوة للأمام، وآخر هوى ساجدًا يناجي ربّه، وثالث اعتدل قائمًا يقرأ الفاتحة بصوت خافت. وفي ذات اللحظة، بلا مقدمات ولا إشارات إنذار، انسلّ لوح من الرخام من موضعه، وسقط سقوطًا مباغتًا. لم يستغرق الأمر أكثر من طرفة عين… كأن الزمن انقبض، وكأن المشهد كله اختُصر في ومضة.
وقفتُ مشدوهًا. كيف اجتمعت هذه الحركات كلها في لحظة واحدة؟ خطوة، سجدة، سقوط، نجاة… كل ذلك حدث “كلمح بالبصر”. هنا فقط أدركت أن الآية ليست وصفًا بلاغيًا فحسب، بل حقيقة معاشة تتكرر في حياتنا كل يوم، ونحن عنها غافلون.
إن قدرة الله تعالى لا تعرف التدرّج البشري، ولا تحتاج إلى زمن أو أسباب كما نتصور. يقول سبحانه:
﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
سورة النحل: 40
فبين “كن” و”فيكون” لا مسافة تُقاس، ولا مهلة تُنتظر، وإنما إرادة نافذة، وقدرٌ جارٍ، وأمرٌ لا يُرد.
كم من مشهد رأيناه في حياتنا، أو سمعناه في أخبار الناس، عن حادثٍ كاد أن يقع ثم صُرف، وعن بلاءٍ كان قاب قوسين أو أدنى ثم انكشف؟ كنا نظنها مصادفات، فإذا هي ألطاف. وكنا نعدّها حظًا حسنًا، فإذا هي عناية ربانية تحفّنا من حيث لا نشعر. قال تعالى:
﴿وَيَحْفَظُكُمْ مِنْ أَمْرِهِ﴾
سورة الرعد: 11
حفظٌ من أمره، أي من قدرٍ قد يجري، ومن بلاءٍ قد ينزل، ومن خطرٍ قد يحيط.
حين سقط لوح الرخام، لم يُصب أحدًا بأذى، رغم قرب المسافة، وضيق المكان، وكثرة المصلين. لو تحرك أحدهم خطوة في غير توقيتها، أو تأخر ساجدٌ لحظة، أو تقدم آخر مقدار شبر، لكان المشهد مختلفًا تمامًا. لكنها الأقدار تُنسج بخيوط دقيقة لا نراها، وتُدبّر بحكمة لا نحيط بها.
﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾
سورة الشورى: 19
أدركت حينها أننا نعيش في سترٍ عظيم. لسنا فقط محفوظين من البلاء الظاهر، بل من آلاف الأخطار التي لا نشعر بها أصلًا. كم من سيارة مرّت بجوارنا وكان يمكن أن تنحرف؟ كم من حجرٍ كان يمكن أن يسقط؟ كم من كلمةٍ كادت أن تخرج فتُفسد علاقة أو تُشعل فتنة ثم كُفَّت عنا؟ إنه ستر الله الذي قال فيه سبحانه:
﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾
سورة النحل: 53
بل إن أعظم النعم أن نُصرف عن الشر قبل وقوعه، وأن نُنجّى من الخطر قبل أن نراه. وقد قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾
سورة الحج: 38
يدافع عنهم، أي يدفع عنهم الشرور، ويكفيهم ما يعجزون عن دفعه، ويحوطهم بعنايته وإن لم يدركوا تفاصيل تلك الحياطة.
في تلك اللحظة، لم يكن المشهد مجرد سقوط حجر، بل كان درسًا إيمانيًا مكثفًا. رأيت كيف تتقاطع أقدار الناس في لحظة واحدة، وكيف أن كل حركة محسوبة، وكل سكون مقدر، وكل نجاة مكتوبة.
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
سورة التغابن: 11
فإن وقعت فهي بإذنه، وإن رُفعت فهي بإذنه، وإن صُرفت فهي بإذنه.
الحقيقة.. خرجتُ من المسجد هذه الليلة بقلبٍ مختلف. لم أعد أرى النجاة أمرًا عاديًا، ولا السلامة أمرًا مفروغًا منه. صرت أوقن أن بين كل لحظة وأخرى عناية خفية، وأننا نسبح في بحر من الألطاف غير المرئية. وإذا كان أمره تعالى “كلمح بالبصر”، فإن ستره كذلك يسبق البلاء بلحظة، ويحيط بنا قبل أن ننتبه.
ربما لن نشهد كل يوم سقوط لوح رخام، لكننا حتمًا نشهد كل يوم سقوط أخطار لا نراها، واندفاع أقدار لا نشعر بها، وانصراف شرور لم تخطر لنا على بال. وما بين الغفلة والانتباه، تظل الحقيقة ثابتة: أننا غارقون في ستر الله، محفوظون برحمته، محاطون بعنايته، نعيش بين “كن” و”فيكون”، في عالمٍ تُدبّره قدرة لا يغيب عنها مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
فالحمد لله الذي إذا أراد شيئًا كان، وإذا لطف بعبدٍ نجّاه، وإذا ستر عبدًا كفاه، وجعل أمره حقًا واحدة كلمح بالبصر.













