
وجعلنا بعضكم لبعض فتنة.. أتصبرون؟
بقلم: د. أحمد النجار
قال الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾
(الفرقان: 20)
آية قصيرة في ألفاظها، لكنها عميقة في معانيها، كأنها تكشف سرًّا من أسرار الحياة البشرية.
فالحياة ليست دار راحةٍ مطلقة، ولا طريقًا مفروشًا بالطمأنينة الدائمة، وإنما هي ميدان اختبار، يمتحن الله فيه عباده بعضهم ببعض؛ الغني بالفقير، والقوي بالضعيف، والصحيح بالمريض، والحاكم بالمحكوم، والعالم بالجاهل.
إن الإنسان كثيرًا ما يتساءل لماذا أبتلى بهذا الشخص؟ لماذا أجد في حياتي من يضايقني أو يظلمني أو يضيق عليّ الطريق؟
والجواب يأتي في هذه الآية البليغة..
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾
أي أن وجود الناس حولك ليس عبثًا، بل هو امتحان متبادل، يكشف معادن النفوس، ويظهر صدق الإيمان.
فقد يكون ابتلاء الفقير بالغني؛ ليرى هل يشكر الغني نعمة الله أم يتكبر بها، وهل يصبر الفقير أم ييأس ويقنط.
وقد يكون ابتلاء الغني بالفقير؛ هل يمد له يد العون أم يغلق دونه الأبواب. وقد يكون الابتلاء في الأسرة؛ زوج يبتلى بزوجته، أو زوجة بزوجها، أو أب بأبنائه، أو أبناء بآبائهم. وكل ذلك داخل في سنّة الامتحان الإلهي.
ولذلك قال النبي –ﷺ:
«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»
(رواه مسلم)
إن المؤمن الحق يدرك أن ما يمر به من مواقف مؤلمة أو علاقات صعبة ليس نهاية الطريق، بل هو باب للترقي عند الله.
فكم من إنسان ظُلم فصبر، فرفع الله قدره. وكم من إنسان أُسيء إليه فعفا، فصار العفو تاجًا على رأسه.
انظر إلى حياة الأنبياء -عليهم السلام، فهي أوضح مثال لهذه الآية.
فقد ابتُلي النبي محمد ﷺ بقومه، فكذبوه وآذوه، حتى قالوا عنه ما قالوا، ومع ذلك صبر وثبت، حتى نصره الله.
وابتُلي يوسف عليه السلام بإخوته، فألقوه في الجب، ثم بيع عبدًا، ثم سُجن ظلمًا، ومع ذلك قال بعد أن مكّنه الله:
﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾
(يوسف: 92)
أي قلبٍ هذا الذي يستطيع أن يغفر بعد كل تلك الآلام؟
بل إن الابتلاء قد يأتي أحيانًا في صورة نعمة لا نقمة؛ فالغنى فتنة، والسلطة فتنة، والشهرة فتنة. قال تعالى:
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾
(الأنبياء: 35)
ولذلك كان السؤال الإلهي العميق في نهاية الآية: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾.
إنه سؤال ليس للعلم، فالله يعلم، ولكنه سؤال ليوقظ القلب: هل ستصبر عندما يسيء إليك أحد؟ هل ستصبر عندما تضيق بك الدنيا؟ هل ستصبر عندما ترى من حولك يسبقك في المال أو المكانة؟
إن الصبر هنا ليس مجرد تحمل الألم، بل هو ثبات على القيم، وتمسك بالأخلاق، وثقة في عدل الله. فالله لا يترك دمعة مظلوم، ولا يضيع صبر صابر.
ولهذا ختمت الآية بقوله تعالى:
﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾
بصير بكل ما يحدث في الخفاء والعلن؛ يرى الظلم وإن خفي، ويرى الصبر وإن كُتم، ويرى القلوب حين تنكسر ولا يسمع أنينها أحد.
فاطمئن أيها القلب المتعب..
إن الذي يرى دموعك هو الله، والذي يعلم صبرك هو الله، والذي سيجزيك على ذلك هو الله.
وهكذا تبقى هذه الآية نورًا يهدي الإنسان في زحام الحياة:
لسنا مجرد أشخاص يمرون في حياة بعضنا، بل نحن اختبارات لبعضنا البعض.
فمن صبر.. نجح في الامتحان.
ومن أحسن.. ارتقى عند الرحمن.













