
مرآة الروح: إجابة لم تكتمل
الكاتب: سعيد إبراهيم زعلوك
قلتُ لها، و بخار الشوكولاتة الدافئة يصنع ستارةً شفيفة بيننا: “يا صديقتي، نحن لا نغرق في الحب لأننا ضعفاء، بل نغرق حين نحاول السباحة في مياهٍ لا تشبهنا. هل سألتِ نفسكِ يوماً: هل أنتِ التي لا تستحقين الحب، أم أنكِ كنتِ تقدمين كنزكِ لمن لا يملك مفتاحه؟”
نظرت إليّ، وكان الصمت في عينيها أبلغ من دموعها التي بدأت تجف. لم أجبها بنصيحةٍ معلبة، بل تركتُ للحديث أن ينساب كالنهر
حكيتُ لها عن عازفٍ قديم، كان يمتلك قيثارةً نادرة الصنع، لكنها كلما لامست أنامله أخرجت صوتاً مشروخاً يمزق سكون الليل. لسنوات، جلد العازف ذاته، ظن أن العيب في أصابعه أو في قلبه الأصم. حاول إرغام الأوتار على إخراج ألحانٍ صاخبة تشبه ضجيج السوق من حوله، حتى انقطع وترٌ حاد وجرح
كفه جرحاً غائراً.
في تلك اللحظة من الألم، توقف العازف. أدرك أن القيثارة ليست تالفة، لكنها كانت ترفض أن “تتزيّف”.
عندما انفرد بنفسه في شرفته الهادئة، وترك أصابعه تداعب الأوتار برفق، دون انتظار تصفيقٍ من أحد، انبعث لحنٌ كأنه همس الملائكة؛ لحنٌ لم يكن يحتاج إلا لـ “دوزان” داخلي يتصالح فيه العازف مع صمته.
وضعتْ صديقتي الكوب، وراحت تتأمل كفّيها وكأنها تراهما لأول مرة. همستُ لها: “أنتِ الآن ذلك العازف.
استنفدتِ روحكِ في محاولة ضبط إيقاعكِ على مقاساتِ قلوبٍ لم تتقن يوماً فن الاستماع. الحب الحقيقي، يا رفيقتي، لا يبدأ بكلمة (أحبك) من الآخر، بل يبدأ بكلمة (أنا هنا) التي تقولينها لنفسكِ أمام المرآة.”
لم تعد ترتجف. بدأت ملامحها تستكين، كأنها اكتشفت فجأة أن العاصفة في الخارج لا تملك سلطةً على الدفء الذي نصنعه بالداخل. سألتني، وصوتها هذه المرة يحمل رنيناً جديداً: “وكيف أعرف أنه حقيقي حين يصادفني مرة أخرى؟”
أجبتها بابتسامة هادئة: “الحب الحقيقي لا يترككِ في مهب الأسئلة.
إنه لا يطالبكِ بأن تكوني شخصاً آخر، بل يدعوكِ لتكوني (أنتِ) بكل تجاعيد روحكِ وانكساراتها. هو الذي يرى ثقوبكِ فيعتبرها منافذ للنور، لا عيوباً يجب ردمها.”
مضت الساعات، وتحول المشهد من انكسارٍ حاد إلى سكينةٍ واعية.
أدركتْ صديقتي أن “برد الأسئلة” لم يكن إلا صدىً لخوفها من الوحدة، وأن الاستحقاق ليس جائزة يمنحها لنا الآخرون، بل هو يقينٌ نولده به.
حين وقفت لتغادر، لم يكن وجهها هو ذلك الوجه الشاحب الذي طرقه الباب قبل ساعات. عانقتني، وشعرتُ بقلبها ينبض بإيقاعٍ هادئ ومنتظم.
قالت وهي تمسح بقايا الظل من عينيها: “شكراً لأنكِ لم تعطِني إجابة جاهزة.. بل جعلتِني أرى أنني أنا هي الإجابة.”
خرجتْ إلى ليل الشتاء، وكانت خطواتها فوق الرصيف المبلل توقّع لحناً خاصاً بها؛ لحناً لا ينتظر أحداً ليعزفه، بل يكتفي بكونه صادقاً.
سعيد إبراهيم زعلوك











