أدبي

الحقيقة

الحقيقة 

بقلم: عتاب المصري

 تشابهت الأشكال، واختلفت المضامين!! 

– تقدم لخطبتي عريس، انبهرت به جدا – ما شاء الله لا قوة إلا بالله – ورأيت فيه الرجل الصالح الذي لا مثيل له في الدنيا كلها

– ما شاء الله حبيبتي، ولكن أخبريني: كيف عرفت أنه رجل صالح؟

– أقول لكِ متدين يا أستاذة… متدين!! 

– حسنا، لقد سمعتك حبيبتي، ولكن ماذا يعني قولك أنه متدين؟

– أي أنه يحفظ القرآن، وعندما يتحدث مع أبي لا يفوِّت فرصة إلا ويستشهد بحديثٍ

– آه فهمت، ما شاء الله ممتاز، ولكن تعالي أخبركِ بعض الملاحظات المهمة حتى تعرفي حقا أنه رجل وصالح بمعنى الكلمة: الدين يا غاليتي ليس فقط بحفظ القرآن الكريم كاملًا ولا بالمباهاة بمعرفة التفسير والحديث، ولا أن يُلحق كل جملة بقول حديث أو آية، بل في الغالب من يفعل ذلك يكون كمن يعلن عن تدينه لأن المتدين يحفظ ذلك في قلبه ولا يذيعه بلسانه؛ فالدين يا غاليتي “ما وقر في القلب وصدقه العمل” الدين يظهر في المحافظة على الفرائض، وقول الحق، وتقوى التعامل، وعدم الكذب، الدين ألا يقطع وعدًا ويخلفه، الدين أن يكون لينًا في المعاملة، ولا يظلم الضعيف، ويراعي الصغير، ويوقر الكبير، الدين ألا يخشى في الحق لومة لائم، ولا يكترث بعادات ولا تقاليد، ولا يشغل باله ماذا سيقول الناس عنه

بل يكون شغله الشاغل هو تقوى الله، وبالطبع أن يكون رجلا لكِ بحنانه وقوامته قبل أن يكون رجلا عليك بتسلطه وقوته وعدم الغش أو المخادعة، والتلطف في الحديث مع والديك وحثك على برهم، وطبعًا يا غاليتي من الدين كظم الغيظ، والإحسان للناس وعدم الشح والتقدير ومراعات الغير. 

وأهم كلماتٍ إليكِ التي تعكس واقعنا اليوم حينما سئل عمر ابن الخطاب رضي الله عنه عن رجل ما إذا كان أحد الحاضرين يعرفه فقام رجل وقال: أنا أعرفه يا أمير المؤمنين

فقال عمر: لعلك صاحبته في سفر، فالأسفار مكشفة للطباع؟

فقال الرجل: لا

فقال عمر: لعلك تاجرت معه فعاملته بالدّرهمِ والدّينارِ؛ فالدرهم والدينار يكشفان معادن الرجال

فقال الرجل: لا 

فقال عمر: لعلك رأيته في المسجد يهز رأسه قائما وقاعدا؟

فقال الرجل: أجل

فقال عمر: اجلس؛ فإنك لا تعرفه!!

كان ابن الخطاب – رضي الله عنه – يعرف أن المرء من الممكن أن يخلع دينه على عتبة المسجد ثم ينتعل حذاءه ويخرج للدنيا مسعورا يأكل مال هذا وينهش عرض ذاك، كان يعرف أن اللحى من الممكنِ أن تصبح متاريس تختبئ خلفها لصوص، كان يعرف أن السواك قد يغدو مِسنًّا نشحذ فيه أسناننا ونأكل لحوم بعضنا البعض، كان يعرف أن الصلاة من الممكن أن تصبح واجهة أو لإضفاء مظهر أنيق، وأن الحج من الممكن أن يصبح عباءة اجتماعية مرموقة لوضيع. 

يا سادة، عمر كان يعرف جيدًا أن التدين الذي لا ينعكس أثره في السلوك هو تدين – حقا – أجوف

وحقا علمت وعرفت يا عمر.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي