أدبي

تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين

تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين
بقلم: صخر العزه
تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين..
إن الله عز وجل خلق الإنسان وكرّمهُ عن خلائقه بأن حباه بالعقل، ووضع له القوانين التي يسير عليها في حياته، وأرسل له الأنبياء والرسل لكي يبينوا له الطرق القويمة في التعامل في الحياة بجانب عبادتهم لله الواحد الأحد.
وقد أنزل كتبه السماوية من صحف إبراهيم والتوراة. والإنجيل، وختمها بالقرآن الكريم الذي أتى ناسخاً لكل ما قبله، ليكون هاديا ومنهجا لتسيير الحياة البشرية الجمعاء.
ومن الأمور التي حض عليها القرآن هي الأخلاق والتعامل فيما بين البشر بعضهم مع بعض وقد قال تعالى:
” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (13- الحجرات)
فالله عز وجل يقول أن أكرم انسان عند الله التقي، أي من كان مؤمنا وتقيا وصاحب أخلاق، ولا يكتمل دين الإنسان إلا باكتمال خُلُقه وحسن معشره، ومن آداب الأخلاق التي حض الله وشدد عليها احترام خصوصية كل إنسان لأخيه الإنسان وعدم التدخل في شؤونه، ولكن أين نحن الآن من هذه الميزة أو الصفة، فنجد الكثير من مظاهرها في مجتمعنا مثل النميمة والحسد والنفاق والغيرة والتدخل في شؤون الآخرين.
وتوجد صورة أخرى لعدم احترام الخصوصية في عصرنا الحالي وهو التشهير بالآخرين من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، كالفيسبوك والواتسب وجميع أنواع وسائل التواصل الأخرى، ويكون وراء ذلك أهداف دنيئة لا يراعى فيها مخافة الله وحرمة وخصوصية الآخرين.
قال تعالى:
” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ” (11- الحجرات)
ومفهوم الخصوصية هو الحق الذي يملكه الإنسان في المحافظة على سرية معلوماته وعلاقاته الشخصية، حيث أن كل إنسان له مطلق الحق بأن يكون بعيدا عن كشف أسراره وخصوصياته أو تعريض بياناته ومعلوماته للنشر دون موافقته على ذلك، فإن احترام خصوصية الآخرين هي أكثر الأمور التي تعبر عن مدى تحضر الإنسان وقيمه في الحياة، ومستوى الوسط التي يعيش فيه..
ومن آداب ديننا السمحة والتي دعمتها شريعتنا الإسلامية احترام خصوصية الآخرين، والالتزام بهذا الأدب الرفيع يجعل الإنسان مطمئن القلب راضي النفس، والطريق إلى تحقيق هذا الهدف هو حُسن علاقته بالآخرين والحفاظ على مشاعرهم، واحترام خصوصياتهم، وعدم التلصص أو التجسس عليهم، والبحث عن مساوئهم وتجاوزاتهم، وذلك لحاجة في نفس يعقوب.
احترام الحياة الخاصة للآخرين في الإسلام له أوجه وصور متعددة فمنها آداب الاستئذان، واحترام حرمات البيوت وخصوصيات من يقيمون فيها، وقد قال الله عز وجل:
” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29)” النور..
فلو أننا التزمنا بما نصت عليه الاية الكريم، فلن تجد النزاعات والمشاكل بين الأقارب والجيران، وكل ذلك نتيجة الخروج عن آداب الإسلام وانتهاك حرمة البيوت وكشف أسرار أهلها.
ومن الأمور التي حض عليها الإسلام ترسيخ صفة ( حُسن الظن) حتى يقام المجتمع على صفاء النفوس وتبادل الثقة بين أفراده، لا على الريب والشك والتهم والظنون، وهذا يوفر لأفراد المجتمع أن يعيشوا بسلام واستقرار بعيداً عن الاضطراب والقلق، فيجب تحري الدقة عن أي معلومة تنقل قبل أن نلقي اللوم على الآخرين.
قال تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)” الحجرات
وقال تعالى أيضا:
” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (12)” الحجرات
فعلى الإنسان ألا يسيء الظن بأخيه المسلم، وألا يحكم على أمر أو الطعن في أخيه بدون دليل مثبت أو بينة ناصعة، وقد قال رسولنا الكريم:
” إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث”
ومن صور الظن أيضا التجسس على بعضنا، وقد جاء الأمر الألهي واضحا وحاسماً، إذ قال” ولا تجسسوا” وهذا نهي إلهي لعدم التجسس على بعضنا، وهو نوع من عدم احترام الخصوصية، ويأتي نتيجة غياب الثقة وسوء الظن بالآخر.
ومن الأمور التي حض عليها الإسلام احترام خصوصية المريض، وذلك من خلال الأطباء الذين يعالجونه أو من يقومون برعايته أو ممن يزورونه، فالعلاقه بين الطبيب والمريض يجب ان تكون قائمة على الثقة المتبادلة، والمحافظة على سرية حالة المريض، وعدم البوح بوضعه للآخرين..
فالإسلام يرسخ أدب الحفاظ على أسرار الناس وستر عوراتهم وعدم التدخل بخصوصياتهم، وألا ينظروا لهذا الأمر على أنه من الآداب والفضائل التي يتزين بها الإنسان فقط، بل هو واجب ديني وأخلاقي واجتماعي على كل إنسان أن يتحلى به، وكمال المجتمع بكمال أبنائه؛ بدينهم وخلقهم وتعاملهم وتوادهم فيما بينهم دون ظن أو غيرة أو حسد.
قال رسول الله: ” من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”
فالاعتداء والإيذاء للغير ولو بكلمة أو نظرة مذموم شرعا..
عمان– الأردن
9 / 1 / 2022
تمت المراجعة والتنسيق من قبل فريق ريمونارف.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي