أدبي

النُّدبة

النُّدبة

بقلم: سمر سعيد

النُّدبةعشت عمري مقرونة بهذا الوسْم، كرهني الجميع دون ذنبٍ منّي، شبّهني الأطفال بالمسخ،

وتلك القبيحةُ التي تأكل الأطفال، ألقوْني بالحجارة مهرولين نحو أمّهاتهم للاختبار.

دلفت إلى مقبرتي السوداء، برغم مضيّ الوقت إلا أن قلبي لا زال ينقبض كلما وطأت قدمي عتبتها،

فكل ما بها يذّكرُني بتلك الليلة التعيسة التي تبدلت فيها لما أنا عليه الآن.

أذكر تلك الليلة جيدًا؛ كان البرق يضرب السماء منيرًا عتمة الكون، الرّعد يصُّم الآذان، الأمطار تنهال بغزارة كالشلالات الهادرة، الصقيع يصلب الأبدان.

 حاولت بثّ الدفء بأرجائها بدلًا من زمهرير الأرضية والجدران المتهالكةِ التي تنبعثُ منها رائحة الرطوبة والعفَن،

حمَلْت ذلك الموقد الذي تنبعث منه رائحة الكيروسين لأضعهُ بجانب أريكتي الراقدة كالموتى بزاوية الغرفة التي لا يتعدى طولها المتر ونصف المتر،

أوقدْت ذلك الصغير أملًا في أن يبث الدفء داخل جسدي المرتجف،

انكمشت داخل ملابسي المهترئة كقطةٍ تختبئ من المطر، مددْت يدي نحو النيران المتصاعدة من فوهته

وأنا أحكُّ كفّيَّ ببعضهما البعض، سرى ذلك الأحمرُ الدافئ داخل أوردتي مصاحبًا معه ذلك النّعاس الآسر،

حاولت فتح عيني بكل قوتي لإبقائهما مفتوحتين، إلا أنني سقطتُ تحت تأثير تخديرهما

، لم أعلم كم مرّ من الوقت فذلك الدفء قلّما أشعرُ به داخل تلك الجدران المتصدّعة.

تسللت السحابة السوداء داخل رئتي محاولةً قطع أنفاسي، فتحت عيني لأُبصر ما جعل الخوف والذعر يدب داخل قلبي.

النيران تحاوطني من جميع الاتجاهات كأنني داخل خندقٍ ناريّ، سحابةٌ سوداءُ تعتم الرؤية، النيران تأكل كل ما يقف أمامها،

صرختُ بأعلى صوتي مستغيثةً بأي شخص، زادت صرخاتي حينما اقتربتْ ألسنتها الحارقةَ من ملابسي،

شعورٌ ضارٍ عندما تلدغك هذه الألسنة، يسري الألم بجميع أنحاء جسدك ليجعلك تتمنى الخلاص،

حاولتُ محاربة تلك الوحوش والفرار منها إلا أنها زادت لتحاوطني وتعلو أكثر وأكثر،

خرجت من نافذتي المعدمة التي تعلو عن الأرض بضعةَ أشبارٍ فقط، زادت السحابة السوداء من حولي مقلّصة الهواء

سَعَلْت بشدة، رئتاي ممتلئتان بالدخان الكثيفِ، غبتُ عن الوعي ظنًا مني أنني فارقت الحياة،

ذلك البؤس الذي طالما رافقني إلا أن القدرَ كانت له كلمةٌ أخرى.

فتحت عينيّ ببطءٍ لأجد جميعَ ما يحاوطني البياض، كأنني سقطتُ داخل كوبٍ من الحليب،

درت بعيني متفحصةً ذلك المكان، فجسدي خدِرٌ تمامًا لا أقوى على التحكم بأيّ عضوٍ فيه.

– حمدًا لله على سلامتك، لقد نجوتِ بأعجوبة

حاولتُ تتبّع مصدر الصوت لأجد سيدةً في منتصف الأربعينات ترتدي زيّ الأطباء، ملامِحها هادئة، حاولت إخراج صوتي الدفينَ بصعوبةٍ لأسألها:

– ماذا حدث!

أخبرتني حينها أنني تعرضت لحادث حريق، وأنني شارفتُ على الموت إلا أن عناية الله أرسلت بعضًا من جنوده على الأرض

فقاموا بإخماد النيران ونقلي إلى المشفى، مكثتُ بداخله قُرابة الشّهر، الضّماداتُ تملأ جسدي ووجهي،

الغرفةُ خاليةٌ من المرايا، لا أرى سوى تلك الممرضةَ التي قامت برعايتي، وذلك الطبيب المُلمُ بما أُلتُ إليه منذ دخولي المشفى.

النُّدبة

نزعت عني الضمادات تِباعًا وآخرهم كانت ضمادة وجهي، لم أعِر جسدي الاهتمام كما أعرتُ وجهي

، فجدّتي دائمًا كانت تُخبرني أنه مرآة الفرد لدى البشر،

تحسّستها ببطءّ وحذر، إلا أن الممرضة منعتني من لمسه، فطلبتُ منها مرآةً حتى أرى ما حدث لي،

حاولتْ أن تطمئنني وحاولت إخباري أنه أمرٌ عارضٌ وسوف أخضع لأحدى العمليات بعد عدة أشهر فعلي قبول الأمر والتعايش معه،

كلماتها هدمتْ حصون ثقتي، طلبتُ منها أن أرى وجهي، رجَوْتها أن تحقق طلبي.

خرجت من غرفتي لتعود بعد دقائق تحمل مرآة صغيرة أحضرتها من حقيبتها، مدّت يدها نحوي والقلق يعلو وجهها من ردّة فعلي،

رفعتها بيدٍ مرتجفة نحو وجهي لأطلق صرخة هزت أرجاء المشفى، لقد تبدّلت ملامحي، طُمست معالمي، فقدت شعر رأسي، سقطت أرضًا وأنا أصرخ متمنيةً الموت.

 من سيقبلُ أن يحيا مع مسخ دميم مثلي؟! ألقيت تلك العاكسة من يدي لأدخل في حالة هياجٍ وصراخ،

حاولت إنهاء حياتي والقفز من شرفة الغرفة إلا أنني شعرت بشكّةٍ فقدت على إثرها القدرة على التحكم في جسدي.

 لا أعلم كم مر من الوقت حينما عدت إلى وعيي، تمنيت أن يكون كل ما مرّ مجرد كابوس راود مخيلتي، إلا أن الأحلام لا تتحقق دائمًا، فلقد أصبحت مسخًا.

غادرت المشفى لا أعلم إلى أي أرضٍ أتجه، فلم أجد سوى تلك المقبرة لأحيا بداخلها، فقد سرقت كل ما أملك – حتى وجهي – وحولتني إلى ندبةٍ ينفِرُ منها الجميع.

النُّدبة

تمت المراجعة والتدقيق من قبل فريق مجموعة ريمونارف الأدبية

"<yoastmark

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي