أدبي

رمضان في غياب النحلة

رمضان في غياب النحلة

بقلم:مصطفى نصر

 

قال لي إنه في أول يوم من أول رمضان

تسجل فيه شريكة حياته فيه غيابا قسريا

من البيت بسبب انتقالها إلى دار البقاء،

أحس بأنه أصغر كائن في هذا الكون

الفسيح والبارد والموحش، يتذكر في كل

لحظة حضورها الطاغي وهي تدور

كالنحلة في جنبات البيت كأنها عدة

أشخاص في شخص واحد، ما بين

الغسالة والمطبخ وغرف أولادها لتفقدهم

وما بين الكنس والتنظيف.

كانت تدخل في كل لحظة لغرفة أبنائها

تخفف عنهم عناء الصيام، وتتمنى من

صميم قلبها لو كان متاحاً لها أن تصوم

بدلًا عنهم حتى لا يعانوا من أدنى مشقة،

وفي نفس الوقت تنبههم إلى ضرورة ألا

يضيع يومهم في اللعب والنوم، حريصة

على أن ينالوا من مغانم وأجر هذا الشهر

الفضيل، بقليل صلاة أو ذكر أو صلاة على

النبي، فهي كما أنها حريصة على نجاح

أبنائها في الدنيا وحظوظها، حريصة

أيضًا على أن ينالوا الفوز والفلاح في

الآخرة، حتى لاتنال أجسادهم الحبيبة

لنفسها عذاب النار.

قال لي : ما أدري ما الذي جعلني أتمنى

في تلك اللحظة من صميم فؤادي أن

تودع مرقدها الأبدي وتعود لبيتها

ومطبخها، ويقبلني رب العزة والجلال

بدلًا منها قربانًا لها، فحوجة أبنائها لها

أكبر بمساحات من بحار ومحيطات العالم

من حوجتهم لي، فلا أمثل أنا سوى قطرة

في خضم نهر الحب العظيم، أتعجب جدا

كيف كانت لدينا هذه المساحة الواسعة

من هذا الحب الذي يسعى على قدمين،

دون أن نقابل تلك النعمة بالثناء، ودون

أن أقول لها مرة واحدة شكرًا لوجودك

في حياتنا، أو أن نقدم لها كلمة تشجيع

وشكرٍ وامتنانٍ على كل ذلك العطاء الذي

لم يكلّ ولم يتوقف على مدى عقدين من

الزمان.

في هذا اليوم فقط شعر بأن دموعه لن

تتوقف، لكنه كان يتجلد ويخفي دموعه

حتى لا ينتقل هذا الجو الحزين لأبنائه،

لكن هيهات فقد لمح في وجوه أبنائه

جميعًا لمحةً من ذات هذا الحزن وبقايا

دموع، فقد كانوا كلهم ينشدون نفس

النشيد الذي كان ينشده ويتذكرون كيف

كان البيت غير البيت ورمضان غير

رمضان والحياة غير الحياة.

 

ابنته سهى ذات الأربعة عشر عاما كانت

تصر على أن تملأ جزءًا من هذا الفراغ،

جمعت عدة وصفات من قناة مخصصة

لتحضير الطعام، وتحاول أن تصنع لهم

أطباقًا كأطباق أمها علها تخفف عنهم

وحشة الإحساس الطاغي باليتم، يحاول

والدها أن يسنيها عما تفعل موضحا لها

أنهم سيطلبون الدليفري قرب الإفطار،

لكنها تصر على أن لا تسلمهم لوحش

الدليفري في رمضان، فشعر الاب

بإحساسها الطاغي بما تفعل، فكف عن

ثنائها لعلها تخفف عن بقية أبنائه وحشة

الفقد ولكن هيهات!!

 

 

تمت المراجعة والتنسيق من قبل فريق مجموعة ريمونارف الأدبية

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي