يقول الله عز وجل: “يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون”
سورة البقرة 183، المعنى هنا تتقون ماذا؟! تتقون أي شيء ضار يصيبكم أو أي سبب يؤذيكم، فإنك إن استجبت للأمر الإلهي بالصيام، فإنك تتقي غضبه؛ وأيضا تتقي وتتفادى أشياء ضارة أخرى؛ تتقي أمراض وأضرار وأوجاع الجسد، وتحقق صحة وعافية، كما أنك تتفادى الوقوع في الفاحشة، والعلاقات المحرمة خارج إطار الزواج، والأسرة الشرعية، وأشياء وأخطار أخرى لا حصر لها، لا يعلم كنهها ولا مداها إلا من شرع الصوم وفرضه على عباده وزينه وحسنه في قلوبهم وعقولهم،
وقد قيل “صوموا تصحوا” على المستوى البدني والنفسي والروحي،
ويقول أيضا “من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء” رواه البخاري ومسلم، أي أنه حماية ووقاية، وكما قال “والصيام جنة” رواه البخاري،
وفي هذا المقال نستهدف إيضاح الفوائد الصحية العائدة علينا من الصوم على المستوى البدني، وكيف أن الصوم يحسن من القدرات الصحية والبدنية لدينا،
مما يدفعنا للصوم ليس فقط في ذلك الشهر الفضيل، ولكن أيضا الصيام على مدار العام كله لتحقيق تلك المزايا الصحية العديدة والتي تحسن من أبداننا وكفاءتها وصحتها وتجود من طريقة حياتنا ككل، وسنتكلم في معرض كلامنا بدون إسهاب وتفصيل ممل ولا اختصار مخل، لكي لا يشعر قراؤنا الأفاضل والفضليات بالملل وأيضا لتحقيق الإستفادة القصوى المرجوة من مقالنا.
ونريد أيضا أن يجعل القاريء من مقالنا خيطا رفيعا يصل به عن طريق التقصي والبحث إلى الفوائد الكاملة والكامنة في الصوم، والامتناع عن الطعام والشراب، والتداوي، والعلاج بذلك يكون:
أولا: أثناء الصوم، نمتنع عن إدخال الأطعمة والأشربة إلى أجسامنا ومنها البروتينات، وكرد فعل من أجسامنا على هذا الامتناع، فإنه يقوم بإعادة إنتاج بروتينات من داخل الجسم من الكبد حيث مخزن البروتينات والسكريات والدهون، وأيضا يقوم بإعادة تدوير بروتينات تالفة ويحولها إلى كيتونات، والتى تعتبر من مصادر الطاقة المهمة للأعصاب والخلايا العصبية، مما يحمي الدماغ من التعرض إلى كثير من الأمراض والعلل الخطيرة وعلى رأسها وأخطرها مرض الزهايمر.
ثانيا: بعض الأمراض مثل الجلوكوما “الماء الأزرق”، وتكون بسبب ارتفاع ضغط العين، نتيجة لتقليل الطعام أثناء الصوم، وعدم استخدام السوائل والأملاح والإمتناع عنها، فإن هذا الضغط المرتفع داخل العين يقل ويتحسن المرض، أيضا بعض الأمراض ذات الصلة بالشبكية واعتلالاتها مثل أمراض الشرايين والسكري تتحسن فتتحسن تبعا لها الأمراض المتعلقة بالشبكية واعتلالات العصب البصري.
ثالثا: أثناء الصيام يزيد معدل إفراز الجسم لمضادات الأكسدة ومضادات الالتهابات الطبيعية في الجسم، ويحدث ما يسمى بالالتهام الذاتي، فيبدأ الجسم في التهام البروتينات التالفة المسببة للالتهابات، ويحدث توازن ما بين مضادات الأكسدة حيث تزيد، ويقل حدوث عمليات الأكسدة الضارة، وترتفع المناعة، فيسهل تصدي الجسم للالتهابات في أي مكان من أعضائنا، وتزداد محاربة ومقاتلة البكتريا الضارة والفطريات والعفن والكائنات الدقيقة المتطفلة المترممة المضرة.
رابعا: الصوم عبارة عن عملية كسر للعادة وتغيير للطبع يكسب أشخاصنا قوة نفسية ذاتية في الامتناع عن أي شيء لا نريده، والتحرر من قيودنا الداخلية التي تجعلنا أسرى وضعفاء لعادات غذائية ضارة قد لا نريد فعلها ولا القيام بها، كما أنه يحدث تعود للجسم على تحمل مشاق استثنائية بالامتناع عن الطعام والشراب، وما يترتب عليه من ضغط نفسي وبدنى في البداية، ثم لا يفتأ أن ينتهي ويعتمد الجسم على الوضع الجديد ويتكيف عليه، وهو ما يكسبنا صحة وقوة نفسية وأيضا بدنية.
خامسا: يحدث أيضا أثناء صيامنا أن منطقة البطن والأحشاء لدينا بكل أعضائها ومكوناتها يتم إراحتها مما نلتهمه يوميا من أصناف طعام مضرة كمًا ونوعًا، وخصوصا منطقة الأمعاء والقولون حيث الجهاز الهضمى، فيخف الضغط عن هذه المنطقة، ويتم تنظيفها من الميكروبات والبكتريا والفطريات والعفن، ويزيد إنتاج البكتريا الدقيقة النافعة التي ينتفع منها الجسد وتحارب مع الجهاز المناعي البكتريا الضارة المتطفلة، كما يحدث تفريغ لمنطقة القولون والأمعاء الغليظة من الغازات الضارة المتراكمة على مدار العام.
سادسا: تنشط الدورة الدموية أثناء الصوم، وكما قلنا في عملية الالتهام الذاتي “autophag”، والتي تحدث لأجسامنا أثناء الامتناع عن الطعام والشراب، فيتم التخلص من الدهون الضارة المترسبة في الأوعية والشرايين، مما يحسن من الدورة الدموية، كما يقلل الضغط والحمل والجهد عن القلب الذي يزيد عمله أثناء الأكل وتناوله، فيقل النبض مما يريح القلب ويقل الضغط عليه وإرهاقه، مما يصب في مصلحة الجهاز الدوري ككل ويحسن من وظيفته.
سابعا: أيضا الصوم يحسن من مستوى هرمون الإنسولين في الدم ويضبطه، وهو هرمون متعلق بأمراض خطيرة مثل السكري، والسمنة، وغيرها، وما يترتب عليها من أمراض وأوجاع لا حصر لها تمس كل أعضاء وأجهزة وخلايا وأنسجة الجسد.
ثامنا: أيضا، يحسن وظائف الكبد عن طريق تخلصها من الدهون الزائدة بها؛ حيث يعد الكبد مخزن الجسم الاستراتيجي من الدهون والبروتينات والسكر، ويقوم بضخها أثناء الجوع في الصوم للجسم وللدم لتعويض نقصها أثناء الامتناع عن الأكل والشرب.
تاسعا: الصوم يفعل شيئا عجيبا جدا؛ وضعان متناقضان في ذات الوقت؛
وهو أنه -من الناحية الجنسية- يقلل الشهوة، وعدد مرات الجماع، ويكسر حدة اشتهاء الجنس، ويلجم جماحها، وفي نفس الوقت، لا يؤثر على هرمون الذكورة “التستوستيرون” بالسلب والنقص، كما أنه يزيد من معدل إنتاج الحيوانات المنوية، ويحسنها ويزيد الخصوبة، مما يقوي ويحسن من وظيفة الجهاز التناسلي لدى الرجل.
عاشرا: يؤدي الصيام إلى إزالة السموم من الخلايا، وإعادة توازن الهرمونات في الجسم، وإعطاء الكبد القدرة على توازن الهرمونات الزائدة داخل الجسم مثل هرمون ” xenoestrogens” والكورتيزول، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى العقم، فمع الصيام تنخفض فرص حدوث الالتهابات أو تتقلص آثارها، وتعود الحيوية والفعالية لكل أعضاء الجسم من جديد، ويتم إعادة التوازن في نسبة السكر في الدم، مما يحسن من وظيفة الجهاز التناسلي للأنثى، ويزيد خصوبتها، ويرفع معدلات الإنجاب لديها ويحافظ على صحة الرحم.
وأخيرا: فإن الصوم يعتبر بمثابة دواء ناجح وفعال، ومستشفى متنقل وإسعاف طاريء لأنفسنا وأجسادنا من كل مرض وخطر مزمن أو حادث،
وإن كانت شركات الدواء العالمية تنتج أدوية باهرة غالية فاعلة،
فإن إسلامنا قد أتى لنا بدواء الصوم الناجح الحامي والمعالج من كل داء، وهذا بفضل رب الصيام.
دمتم جميعا بخير وسعادة وصحة وعافية، وكل عام وأنتم بخير.