مقالات متنوعة

رمضان في روسيا الاتحادية

كتبت: أمينه حاتم

لم يخطر ببالي خلال زيارتي للعاصمة الروسية -موسكو- وأثناء تجولي بالميدان الأحمر أو الساحة الحمراء -أكثر الأماكن السياحية شهرة بروسيا- والذي تبلغ مساحته 46450 مترا مربعًا، بطول 330متراً، وعرض 70 مترًا، والذي اختلف الكثيرون على سبب تسميته التي أطلقت عليه منذ منتصف القرن السابع، حيث يرى البعض بأن التسمية ترجع إلى جدران بناياته المبنية بالطوب الأحمر القاني بأمر من قيصر روسيا ” إيفان الرابع”، بعد أن كانت مبانٍ خشبية تعرضت للحريق، بينما يرجع البعض الآخر التسمية إلى المذبحة المروعة التي قام بها نفس قيصر روسيا ” إيفان الرابع” بعد مقتل زوجته، حينما نفذ مذبحة إنتقاماً لمقتلها، أودى خلالها بحياة الكثيرين، وقام بطلاء ساحة الميدان بلون الدم الأحمر ترهيباً للشعب.

بعيدا عن سبب التسمية، لم يخطر ببالي أن نفس هذا الميدان الذي يوجد به ضريح وجثمان فلاديمير لينين الماركسي -مؤسس المذهب اللينيني واللاديني- والميدان الذي شهد أضخم العروض العسكرية الروسية، هو نفسه الميدان الأحمر الذي يشهد صلوات المسيحيين والمسلمين فى دور العبادة الخاصة بهم، والتي فتحت لهم منذ انهيار الإتحاد السوفيتي، وهو الميدان الذي تقام به الآن مآدب الإفطار الرمضانية، وليس هذا فحسب، بل يوجد به أحد المطاعم الشرقية المشهورة بتقديم وجبات الإفطار الرمضاني الشرقي والعربي.

رمضان في روسيا الاتحادية
رمضان في روسيا الاتحادية

دخل الإسلام دولة روسيا الاتحادية في عهد الفتوحات الإسلامية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب حينما كانت تدين مناطق كثيرة فيها بالوثنية، وظل الإسلام فى عهد حكم القياصرة الروس موجود إلى جانب الديانة المسيحية الأرثوزكسية، ورغم الاضطهاد الذي واجهه المسلمون الروس من قبل اتباع الديانة المسيحية، إلا أنه ومع حكم الامبراطورة كاترين الثانية التي حكمت روسيا من عام 1762 حتى وفاتها بالسكتة الدماغية عام 1796، أعطت المسلمين إمتيازات كثيرة في ربوع الدولة الروسية، وتمكنت من تخفيف وطأة الاضطهاد الديني، وأسست التسامح الديني بين أصحاب الديانتين المسيحية والاسلامية.

يرى بعض المؤرخين أن الامبراطورة الروسية قامت بذلك لأهداف تجارية، ولضمان عدم انضمامهم للدولة العثمانية أثناء حربها معهم، ويمكن القول بأن الإسلام انتشر في ربوع روسيا في القرن الثامن عشر.

ولكن بانهيار الحكم القيصري في روسيا عام 1917، وصعود حكم البلشفيين على يد فلاديمير لينين، وأفكار كارل ماركس الشيوعية، فرض الاتحاد السوفيتي “اللادينية”، ومنع المسلمين من ممارسة شعائرهم، وعاشت دولة روسيا الإتحادية أكثر من سبعين سنة تحت وطأة “اللادينية” ومنعت فيها كل المعتقدات والعبادات.

رمضان في روسيا الاتحادية
رمضان في روسيا الاتحادية

ومع انهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه -تحديدا في 26 ديسمبر 1991- وما ارتبط به من الاعتراف باستقلال الجمهوريات السوفيتية السابقة، وإنشاء رابطة الدول المستقلة لتحل محل الاتحاد السوفيتي، وما تبع ذلك من انهيار النظام الشيوعي اللاديني.

مع كل هذه التغيرات، بدأ الشعب الروسي يتنفس من جديد هواء الانتماءات الدينية، ويمارس شعائره الدينية بعد أن فتحت له مرة أخرى أبواب بيوت العبادة من كنائس ومساجد.

وها نحن الآن نجد دولة روسيا الاتحادية والتي يزيد عدد سكانها عن 145 مليون نسمة، منهم ما يزيد عن 26 مليون مسلم بنسبة 15% من السكان، حتى أنهم يعتبرون الديانة الأكبر بعد الديانة المسيحية الأرثوزكسية.

رمضان فى روسيا

تختلف روسيا عن غيرها من البلدان الأخرى اختلافًا كبيرًا في رمضان، لأن مسلموها ينتشرون على مساحة تزيد عن 17 مليون كيلومتر مربع، نظراً لأنها أكبر دولة في العالم من حيث المساحة، وعليه، تختلف مواقيت الإفطار بين المدن الروسية على امتداد مناطقها الزمنية التي تصل في عدد ساعات الصيام إلى ما يزيد عن عشرين ساعة يوميًا، يحرص المسلمون الروس على صيامها رغم المشقة، ولا يتبقى للصائمين من يومهم سوى بضع ساعات لا تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة، عليهم خلالها القيام بكسر صيامهم بالإفطار وتأدية صلاتي المغرب والعشاء، ومن بعدهما صلاة التراويح لمن يصليها والاستعداد للسحور، ثم يتوجهون لأعمالهم التي لا تتغير مواعيدها في روسيا بحلول الشهر الكريم، على عكس ما يحدث في معظم الدول الأخرى.

رمضان في روسيا الاتحادية
رمضان في روسيا الاتحادية

مع تاريخ روسيا الطويل مع “اللادينية”، لم تظهر بها الموائد الرمضانية إلا منذ نحو ستة عشر عاماً، وتحديداً في موسكو التي يقطنها 10,5 مليون نسمة، من بينهم 2,5 مليون مسلم أى قرابة 25% من سكانها بمعدل مسلم من بين كل أربعة سكان، والتي لا يوجد بها سوى أربع مساجد بخلاف عدد من المساجد الصغيرة المقامة في أنحاء متفرقة من موسكو، بينما توجد آلاف المساجد بطول روسيا، ومن أهم مساجد موسكو المسجد الرئيسي المعروف باسم “جامع موسكو الكبير” الذي يمزج بين العمارة الإسلامية والتجارية والعثمانية، على مساحة 18900 متر مربع بعد تجديده عام 2015، والذى يعد واحداً من أكبر مساجد أوروبا، حيث يسع عشرة آلاف مصلٍ، ويقصده المصلون خاصة لصلاة العيدين وصلاة التراويح في رمضان.

قبل حلول شهر رمضان، تتولى إدارة الإفتاء الروسية إعداد قائمة تضم اليتامى والمحتاجين وكبار السن والأرامل؛ لتتمكن من تقديم المساعدات المالية والغذائية لهم بقدر ما هو متاح لديها، ويرتب مجلس المفتين الروس مع السلطات المحلية إقامة إفطاراً جماعياً ببعض المساجد يجتمع عليه المسلمون الروس وغيرهم من الدول الأخرى القادمين للدراسة أو العمل، كما ينظم مجلس المفتين سنوياً الخيمة الرمضانية الروسية الشهيرة التي تختلف عن الخيام الرمضانية في بقية دول العالم، حيث تتسم بأنها خيمة إفطار رمضاني ثقافية ذات طابع ثقافي وأدبي وديني، فضلاً عن تنظيم مسابقات من خلالها للأطفال في حفظ القرآن الكريم، وهي خيمة رمضانية يتردد عليها أعداد كبيرة من المسلمين وغير المسلمين قد تصل في بعض الأحيان إلى ألف شخص، ويتم خلالها تقديم مأكولات شعبية تشتهر بها الأقاليم الروسية المسلمة، كما تشارك العديد من الدول العربية والإسلامية في إقامة مثل هذه الموائد عن طريق البعثات الدبلوماسية لتعميق الروابط الدينية بين المسلم الروسي وبقية شعوب العالم الإسلامى.

مع رؤية هلال رمضان، يزداد النشاط الشبابي على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يشكلون مجموعات متخصصة يتبادل فيها الأعضاء نصائح وإرشادات الصيام، ويعلنون عن الفعاليات المختلفة والإفطار الجماعي في ” الخيم الرمضانية” التي انتشرت في الأماكن المجاورة للمساجد أو داخل المساجد في السنوات الأخيرة بعد أن كانت قاصرة على موسكو.

يحرص مسلمو روسيا المتمسكون بدينهم وتعاليمه لتثبيت دعائم الدين على الصلوات الخمس فى المساجد التي يزيد عددها في هذه الدولة مترامية الأطراف عن 8000 مسجد طوال شهر رمضان، كما يحرصون على صلاة التراويح التي يصلونها عشرين ركعة ويختم بها المساجد الكبرى القرآن الكريم خلال رمضان، حتى أننا نجد أنه رغم تأخر الوقت وقلة الأماكن لصغر المساجد، إلا أنها تستقبل يومياً عشرات الآلاف للصلاة مما يجعل الشوارع المجاورة مكتظة بالمصلين.

من العادات المنتشرة بين مسلمي روسيا، قيام صاحب المنزل بتوجيه الدعوة لأحد الأئمة أو قارئ القرآن على الإفطار في المنزل ليقوم بالدعاء، وليتبرك الصائمون معه بتلاوة وقراءة بعض آيات من القرآن الكريم، وبعد تناول الإفطار يتولى الشيخ توجيه موعظة أو إعطاء درس ديني، بينما الحضور يتناولون مشروب الشاي مع الأهل والأصدقاء.

رمضان في روسيا الاتحادية
رمضان في روسيا الاتحادية

ولأن نهار الصائمين في روسيا طويل، فالصائمين بها يفطرون على مشروب “الكفاس” التقليدي الذي يروي ظمأهم بعد ساعات الصيام الطويلة، وهو مشروب يعد من خلال تخمير الخبز الأسمر المضاف إليه في الغالب الفواكه المجففة المنقوعة فى الماء، ثم يتناولون أنواع مختلفة من السلطات كسلطة الفينيجريت الروسية الشهية التي يتم إعدادها من البنجر المسلوق مع البطاطس والبازلاء، وكذلك سلطة أوليفيه الروسية الشهيرة التي تضم في مكوناتها الخضروات واللحم والبيض والبقدونس والخيار المخلل والمستردة والسوسيس، والتي سميت باسم مبتكرها الطباخ الفرنسي لوسيان أوليفييه، أما الوجبة الرئيسية فهي إما من اللحم أو السمك أو البط الذي يقومون بحشوه التفاح الأخضر الممزوج بأنواع من المكسرات والمحاشي، حيث يقومون بحشو الكرنب والفلفل، إلى جانب الفطائر الروسية المضفرة المحشوة باللحم والخضروات أو الجبن والبطاطس، بينما يقدم في الخيم الرمضانية يوميا مطبخ مختلف من مطابخ روسيا الاتحادية مترامية الأطراف، على أن يقدم فيها يومياً الطبق الروسي التقليدي المعروف بطبق “الكورما” الغني بمكوناته من الخضروات المقلية والبصل ويضاف إليه قطع من القلب والكبد.

أما الحلوى، فعادةً ما يقدمون الحلوى الروسية المعروفة بإسم” تشاك- تشاك” وهى شبيهة بكيكة العسل، وتتكون من الخبز المخمر في شراب العسل، ويتم تزيينها بإضافة الفواكه المجففة والمكسرات.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي