أدبي

المفردة في النص الأدبي

المفردة في النص الأدبي

بقلم: مصطفى نصر

يعد اختيار المفردة في النص الأدبي من أعقد مراحل الصياغة الجمالية والفنية للنص الأدبي شعرًا كان أم نثرًا،

فاللغة العربية قد حباها الله تعالى بقاموس عريض تتعدد فيه الألفاظ للدلالة عن المعنى الواحد، لكن لكل لفظة حقلها الدلالي الخاص بها، والذي من النادر أن تعبر عنه كلمة أخرى،

سواء على المستوى الدلالي للحقيقة اللغوية أو على المستوى الدلالي المجازي، أو من ناحية الجرس الإيقاعي في الشعر والنثر.

وسيتضح لنا بعد قليل أن الأديب المطبوع الحق هو من حاز على الملكة والبسطة التذوقية في اختيار ألفاظه، بقدرة فنية مؤثرة على السياق الكلي للكلام،

لذا فقد انتبه النقد الأدبي القديم للمحتوى الدلالي الجمالي للفظ في سياقه الكلي؛ فقد ثمنوا منذ القدم المفردة الحديثة الجديدة على الأذن،

وسموا البيت الذي يحتوى على ألفاظ فريدة لم تسمع من قبل “بالبيت اليتيم” حيث لن يجرؤ شاعر آخر بالاقتراب من حدوده

لأنه أصبح ماركة مسجلة – حسب التعبير الحديث – لصاحبه فيصعب الاقتراب منه، لأن الجميع حينها سيشيرون إلى أن هذه اللفظة قد سبقت إليها من فلان.

ودونك في ذلك البيت البديع المفرد لعنترة العبسي:

هَزِجًا يَحُكّ ذِرَاعَهُ بِذِرَاعِهِ … قَدْحَ الْمُكِبّ عَلَى الزّنادِ الأَجْذَمِ

إذ أن الشاعر اختار من معين قاموس اللغة العربية ألفاظًا جديدة لم تطرق من قبل لصورة النحل

وهو يحك ذراعًا بذراع بصورة طريفة هي صورة الأجزم الذي يحاول قدح النار من حجرين بأيدٍ مبتورة الأصابع،

وبذلك حاز قصب السبق في هذه الصياغة اللفظية ذات المستوى التصويري

، بالمعنى الجديد الذي لم يجرؤ شاعر قديم ولا حديث على طرقه مرة أخرى لأنه أصبح علامة تجارية خاصة بهذا العبسي.

كما أنهم منذ القدم أشاروا إلى ضرورة تخير الألفاظ السهلة في النطق، لذا عابوا على أحد الشعراء وعدوه من حديث الجن وهو قول الشاعر:

وقَبرُ حَربٍ بمكانٍ قَفرٍ *** ولَيسَ قُربَ قَبرِ حَربٍ قَبرُ

لأنه أقرب ما يكون للمساجلات والألغاز التي يتم التحدي بالنطق بها عدة مرات لدى الأطفال وأحيانًا الكبار أيضًا.

وانتبهوا أيضًا للمفارقة اللغوية للشاعر أبو تمام في وصف حمزة خد حبيبته بقوله:

ملطومةُ بالوردِ أطلقَ طرفُها

في الخَلْقِ فهْوَ مَعَ الْمَنُونِ مُحَكَّمُ

 لأن كلمة اللطم في مجال الغزل خاصة هي لفظة نابية لا تتناسب مع غرض النسيب،

فلو قال هذه الكلمة في مجال شعر الحماسة أو الفخر لكانت الكلمة المناسبة في الموقع المناسب، لكنها في الغزل نافرة ممجوجة لا يتقبلها الذوق السليم.

ولله المثل الأعلى في تخير القرآن لألفاظه في مواقع متعددة يمكن أن تصلح لكتاب كامل حول تخير اللفظ في القرآن الكريم،

سنكتفي هنا منها بلفظتين ونعد القارئ بالتوسع فيها بدراسة منفصلة فيما بعد.

النموذج الأول هو قول الله تعالى في سورة المدثر الآيتين (٣٣- ٣٤) :

{ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ}

فبين (إذ) و(إذا) الفرق في إضافة الألف إذ من حرفين بدون ألف، وإذا بثلاثة أحرف ثالثها الألف في آخرها،

لكن الزيادة في المعنى التي أضافتها الزيادة في المبني بإضافة ألف، كبيرة جدًا؛ فأفول ظلام الليل كلمح البصر

، لذا استخدم له (إذ) الفجائية دليلاً على السرعة، أمًا خروج ضوء الصباح بصورة تامة فيحتاج إلى وقت حيث نتدرج من العتمة ثم السحر ثم الغسق ثم السفور

وهو خروج وقت الفجر الصادق، لذا زاد المبني بالألف ليتواءم مع الوقت الطويل الذي يستلزمه ميلاد الضوء الكامل.

كذلك الدلالة اللغوية لتسطع وتستطيع، فالمختصرة تدل على معنى إضافي

هو عدم الاستطاعة في الماضي وعدم الاستطاعة في المستقبل، ودونك في ذلك قول الله تعالى في سورة الكهف (٩٧):

 {فَمَا ٱسْطَٰعُوٓاْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقْبًا}

فقوم يأجوج ومأجوج لم يستطيعوا أن يعبروا السد الذي بناه ذو القرنين بتسلق ظهره لا في الماضي، وللآن، ولا حتى في المستقبل،

لكنهم سيستطيعون عبوره مستقبلاً قبل يوم القيامة بإحداث نقب (فجوات وفتحات).

لعل هذه النماذج التي سقناها للبراعة في اختيار الألفاظ المناسبة للنسق المناسب، كشفت لنا جانبًا من وظيفة اللفظ في السياق الكلي،

وعلى وعدنا للقارئ بأن نفصل أكثر في نماذج الدلالة اللغوية للفظ في القرآن الكريم في مساحة نقدية أخرى إن شاء الله تعالى.

المفردة في النص الأدبي
المفردة في النص الأدبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي