أدبي
الوجدان في التجربة الأدبية 2

الوجدان في التجربة الأدبية 2
بقلم مصطفى نصر
لم يكن الوجدان ذا أهمية ودور في الأدب
طوال فترة سيادة المذهب الكلاسيكي، إذ
كان الكلاسيكيون يرون أن الأدب ككائن
علوي يجب ألا يرتبط بالقضايا الصغيرة
والتافهة، بل يجب أن يتوجه إلى قضايا
الأمة الكبرى ويسجل مفاخرها
وانتصاراتها، ويمجد القادة الحربيين
الذين يصنعون هذه المفاخر، وكان من
مبادئها الاساسية البعد عن العواطف
والتقليل من شأن الخيال، وكبح جماح
الوجدان والإعلاء من شأن المنطق،
فالإيمان بالعقل والبعد عن العواطف كان
من أبرز مميّزات التعبير الفني في
الكلاسيكية. إذ يعد الكلاسيكيون العاطفة
والخيال مفسدة للأدب وجماليته لكونه
يبتعد به عن الواقع الإنساني، كما أنه
يخرج عن النسق التقليدي الذي عرف في
الأدب اليوناني والروماني القديم الذي
تتم مُحاكاته.
لكن المدرسة الرومانسية التي جاءت على
انقاض الكلاسيكية هي التي أعلت من
شأن العاطفة والخيال الشعري، حيث
رأت أن الشعر ما هو إلا تعبير عن الذات
الشاعرة، وبخاصة عن آلام الشاعر
وشكواه من قيود الحياة الاجتماعية
ولهفته إلى الانطلاق والتحليق، وأن آفاق
التجربة الشعرية يجب ألا تتوقف عند حد
معين، ويجب أن لا تحدد في البطولات
والحروب، حتى قالوا إن خير الشعر ما
حلق الى كل الآفاق حتى الأحداث
الصغيرة جدا وحالة الوجدان، وهم أول
من أشاروا إلى أن خير الشعر ما كان أنّات
خالصة.
انتشرت هذه الدعوة، وسط ظروف
الحياة القاسية التي انبثقت من الحرب
العالمية الثانية، وما تبعها من ركود
اقتصادي وارتفاع في أسعار السلع
والخدمات، فانتشرت انتشار النار في
الهشيم حتى عمَّت الإنتاج الأدبي كله،
وسرعان ما انتهت إلى المبالغة
والإسراف؛ فاستحال الشعر لبكائيات
مطولة وهجر الشعراء الواقع المرير الذي
ينغص عليهم حياتهم إلى أحضان
الطبيعة يبثونها أحزانهم والآمهم بعيدا
عن الواقع الكريه وتداعياته.
ومن هنا برز الوجدان كعنصر هام من
عناصر التجربة الأدبية، وحتى عندما سئم
الناس بكائيات الرومانسيين وتأوهاتهم،
وهروبهم للطبيعة، وظهرت الدعوة الى
الشعر الواقعي الذي يعود بالناس لواقعهم
لم تتخلص القصيدة فيه من وجدانياتها،
إذ ظلت العاطفة مظهرا مهما في الأدب
الواقعي، فالمدرسة الواقعية ركزت على
الاتجاه الموضوعي، وجعلت المنطق
الموضوعي أكثر أهمية من الذات
والعواطف، فصور الرسام الحياة اليومية
بصدق وأمانة، من دون أن يدخل ذاته
في الموضوع، بل يتجرد الرسام عن
الموضوع في نقله كما ينبغي أن يكون،
إنه يعالج مشكلات المجتمع من خلال
حياته اليومية، إنه يبشر بالحلول، نتيجة
ذلك أن أهملت الذات في سبيل الموضوع؛
فلم يعد الاهتمام بالخيال بل رصد الواقع
دون تدخل للمشاعر والوجدان والإلهام
والميول الشخصية لدى الفنان..
لكن هل استطاع التيار الواقعي كبح
جماح الوجدان في الشعر كما كانت
مبادئه تدعو؟ (الإجابة لا) قد تكون
المدرسة الواقعية الأوربية طبقت هذه
المعايير، لكن تطبيقات هذه المدرسة في
وطننا العربي لم تستطع الفكاك من
العاطفة، وذلك لأن العرب عاطفيين
بطبيعتهم، فهم آثروا التعبير عن الواقع
كمبدأ، بخلفية عاطفية معتدلة بعيدا عن
بكائيات الرومانسيين.
ولعل من أكثر العوامل التي تؤدي لكذب
الحالة الشعورية وتجعلها باهتة غير
قادرة على التأثير في النفس المقابلة
(المتلقي) أربعة عوامل هي:
-الشعر الصادر عن العاطفة الظاهرية
-شعر المناسبات الذي ينظم بدون
إحساس صادق
-شعر المحاكاة للآخرين بدون وجدان
صادق
-والسرقات الأدبية عندما ينظر الشاعر
بعين غيره
فكل شعر لا يصدر عن وجدان منفعل
بالحدث يأتي باهت التأثير ولا يكتب له
الخلود، على نحو ما شرحنا في المقال
السابق، وخصوصا شعر المناسبات، وهو
كل شعر قد اقترن بمناسبة دينية أو
وطنية أو قومية أي أن صلاحية هذا
النوع من الشعر تنتهي بمجرد انتهاء
المناسبة التي نُظِم من أجلها وقد دافع
الشاعر الألماني «غوتة» عن هذا النوع
من الشعر واعتبر أن الشعر العظيم هو
شعر المناسبات، وقد أكدّ هذا الأمر في
كتابه «شعر وحقيقة» قائلاً بمرارة :«إن
شعر المناسبة وهو الأكثر أصالة من جميع
ضروب الشعر قد فقد كل تقدير منذ أن
بدأت الأمة لا تُلقي بالاً إلى قيمته، إذ أن
الكثيرون يرون أن به خلل في عنصر
الوجدان، لأنه في الغالب يكتب على
سبيل المجاملة.
ودونك في شعر المناسبات نموذجا أغنية
(رمضان جانا) لمحمد عبد المطلب وأغنية
(العيد فرحة) لصفاء أبو السعود، فهي
تظل قابعة في الرفوف لمدة أحد عشر
شهرا، ولا تنفض الأولى ويزال عنها الغبار
إلا بعد أن يهل علينا هلال شهر رمضان،
ولا تنفض الثانية ويزال عنها الغبار إلا
عند إعلان العيد، وهي رغم ذلك أكثر
حظا من أغنيات مناسبات أخرى كثيرة
اندثرت تماما ولم يعد يذكرها أحد، افلتت
من ذلك أغنية (وحياة قلبي وأفراحه)
لعبد الحليم حافظ، فهي أغنية عاطفية
لكنها تروج أكثر في أيام اعلان نتائج
الطلاب احتفاء بنجاحهم.











