أدبي
كسر روح

كسر روح
بقلم: أسماء أحمد
مرت عليَّ السنوات وأنا في حيرة بين
قلبي الذي اختاره حبيبا وزوجا، وعقلي
الذي يرشدني دوما إلى ضرورة النجاة من
الحياة البائسة التي أعيشها معه.
لا يكف عن تعذيبي، ولا يتركني أحيا
بسلام، إذا فعلت ما يريد يوبخني، وإن لم
أفعل ينهرني وينال مني.
حاولت الدفاع عن نفسي بالبعد عنه
وضرباته التي كانت كالوشم على جسدي،
ولكنه كان أقوى مني، ينهال عليَّ ضربا ثم
يدفعني بعيدا حد بصره.
تألمت، صرخت، توسلت إليه بأن يتوقف،
لا يسمع ولا يرق قلبه لألمي، لم يكن
بوسعي سوى البكاء أياما وليالي، فلا
تحمله قدماه لمواساتي بل ينام قرير
العين، وإذا ما استيقظ، جلس جلسته
المعتادة على الأريكة ثم يتساءل بصوت
جهوري، فظ، غليظ، وبوجه عبوس لم
أعد أرَ غيره: أين الطعام؟
تناسى كل ما حدث، وكأنه كان حقا
مكتسبا له.
يقضي معظم يومه خارج البيت، وحينما
يعود، يدخل حجرته ويتعاطى الهيروين
الذي كان بلاء علينا نتاج رفقة السوء،
فزاد ذلك من حنقه وغضبه عليَّ يوما بعد
يوم.
تملكني الذعر والخوف منه، لم أعد أشعر
بالأمان حال وجوده، إذا علمت بقدومه،
أركض إلى غرفتي، أحتضن ابنتي وأترقب
ما سينالني منه،
يناديني، فيرتجف قلبي، وترتعد يداي، لا
تحملني قدماي لألبي أوامره، تسقط
الأواني من يدي، فيأتي مسرعا وينهال
عليَّ ركلا بالأقدام.
كان ينعتني بالمسرفة حال طلبت منه
نقودا، وأخيرا يرمي لي بعضا منها، والذي
لا يكفي إلا القليل. كنت لا أقترب منه، ولا
أدعه يلمسني؛ فقد أصبح الشبح الذي
أخافه، تتسارع نبضات قلبي وتزداد
أنفاسي، كل ذرة من جسدي ترفضه،
أشعر أن روحي تسحب مني وهو لا يلقي
بالا.
لم أجد نفسي، أصبحت غريبة عنها، سُلبت
إرادتي بغير وجه حق، جعلني دمية بيديه
يحركها كيفما يشاء، خارت قواي وزهدتُ
الطعام، أنام كثيرا، أضحك أحيانا، وأبكي
أحيانا أخرى، لقد عرف الاكتئاب طريقه
إلليَّ، أتباطأ في تلبية أوامره، فينهال عليَّ
بالسباب والشتائم، الخوف فقط هو ما
كان يحركني، فلم يعد هناك مكان بجسدي
لم ينل منه.
حبسني في بيت بعيد عن أهلي، لم
أعترض، بل صمتُ خوفا كما هو حالي
معه دائما، ولقد كان دوما ما يكررها على
مسامعي:
“أنت ملك لي، وتحت سيطرتي، ويكفيك
فخرا بأنك زوجتي”
تعجبت لما يقول، أهو ذاك الشخص الذي
تزوجته، أم أنها كانت طباعه التي لم
أنتبه إليها من قبل أو شعرت بها؟! ولكني
لم أكترث.
اتضحت لي أخيرا طباعه النرجسية، حيث
كنت أراه سعيدا بإيلامي، يتضايق من
حب الناس لي فكان يقابل ذلك بالضرب
والإهانة، ولكم سألت نفسي كثيرا إلى
متى سيستمر هذا الوضع؟
وحينما رزقني الله ب (فرح) كنت أنظر
إليها وابتسامتها وهي تناديني بأمي،
فكانت تعيد لي جزءا من حياتي التي
أفتقدها، فلقد كنت فراشة تطير فوق
حديقة غناء، تنعم بالحياة، مبتهجة
وسعيدة، كان النظر في وجهها يسعد
قلبي ويجبر خاطري، أجد فيها الأمان من
العالم أجمع، أسامحه من أجلها، أختلق له
الأعذار، ولكن الوضع زاد سوءا -وخاصة-
بعد حالة الفقر التي أصبحنا عليها بسبب
تعاطيه، فزادت ألفاظه النابية وشتائمه،
فمجرد أن يلتقط ملعقة من الطعام يرميه
في وجهي، حينما نخرج ينتقي أفظع
الألفاظ ويهجوني بها أمام الآخرين.
خضعت لرغبته بعد زواجنا بترك عملي
وآثرت بقائي في بيتي لأرضي غروره،
ولأخفف من وطأة غيرته الشديدة
بتعاملي مع زملائي حيث كان ينهرني
عندما أحكي له ما حدث في يومي.
وأخيرا، جاء اليوم الذي استجمعتُ فيها
قواي، وخلعتُ عني رداء الخوف الذي كان
يلجمني لسنوات، أردت أن أصرخ، أثور
قبل أن أموت كمدا على حالي. دلفت إلى
غرفته صباحا وقلت له:
– لقد صمت سنوات، وتحملت مالا يتحمله
بشر، أخفيت الأمر عن عائلتي، فلم
أخبرهم بالعذاب النفسي والجسدي الذي
تلقيته على يديك حتى لا يتألمون لحالي،
ولكي تظل صورتك لديهم الشخص الكريم
المحب الذي أقسم على حمايتي والحفاظ
عليَّ، وللأسف، وبعد كل ذلك ما زال لديَّ
بعض المشاعر تجاهك، ولكن كيف يجتمع
الاثنان؛ الحب والخوف معا؟!
يا لهذا القلب البائس الذي يعشق ساقيه
العذاب، تبا له ولما يتحمله من أجلك!
اقتربت منه لينطق، ليرد عليَّ، ولكنه كان
ممددا على سريره ينظر إليَّ نظرة ثاقبة
مخيفة، أكملت حديثي وسألته عن
ضرباته التي كانت تلقي بي أرضا، صفعاته
التي كانت تدمي وجهي، الركلات التي
كَسر بها عظامي وجلست شهورا في
سريري لا يناولني جرعة ماء، عن كل أذى
سببه لي، عن تلك النقود التي ورثتها عن
أبي وسرقها مني، لم أكترث لما أخذه مني
عنوة، ولكن ما أوجعني حقا ما حدث ليلة
أمس، حينما طلبت حريتي منه، فكان رده
بألا خيار لي في الأمر ولئن يقتلني خير له
من أن يرضخ لطلبي.
انهال عليَّ ضربا وأنا أنتفض أمامه
كالطير المذبوح، استعطفته أن يرحمني،
يرحم تلك الروح الضعيفة المنكسرة في
جسد هزيل، روح فقدت شعورها بالحياة
وهي على قيدها، فما كان منه سوى أن
أخذ مسدسه من الكومود ثم أمسكني
ودفعني إلى آخر الغرفة، ولكنه فشل في
تصويبه تجاهي حيث كان جسده يتمايل
يمينا ويسارا، عيناه تغفو لثوان بين
الحين والآخر، اقتربت سريعا منه، تشبثت
به، وتوسلت إليه بألا يقتلني، حاول دفعي
مرة ثانية وأنا أقاومه، فلم يستطع،
شعرت بأنفاسه المتسارعة ويده التي
بدأت ترتعد، ولكنه تمكن من سلاحه
وضغط على الزناد.
حملته إلى سريره بعد أن سقط قتيلا
غارقا بدمائه ثم رمقته بنظرة شامتة
متشفية قبل أن أغلق عليه الباب لينام في
سلام.












