أدبي
من أجل أبنائي

من أجل أبنائي
بقلم: مصطفى نصر
عندما تغيب الشمس إلى مرقدها تلملم السيدة نورا أشياءها القليلة الباقية لعشائها وعشاء أطفالها. تحسب ما جمعته اليوم من رزق كتبه الله لها لتوزعه ما بين قيمة البضاعة التي استلمتها على “النوتة” صباح اليوم من تاجر رحيم يعرف ظروفها. كان يسلفها البضاعة التي تستقبل بها كل يوم جديد، على أن تسدد قيمتها آخر اليوم. تحسب الدريهمات التي تبقت لها وتوزعها على قائمة مستلزمات أطفالها، قلم لابنها البكر ودفتر متوسط للبنت ومستلزمات شطائر الفطور التي يحملونها معهم إلى المدرسة، وسكر وحليب وشيء من الخضروات لوجبة الغداء التي تطبخها لهم ليلا وتضعها في الثلاجة.
حكم عليها الزمن أن تغيب عن أطفالها زغب الحواصل طول النهار. تتركهم في عهدة بنتها الكبرى التي لم يتجاوز عمرها ١٣ عاماً بمقياس الزمن. صقلتها الأيام مع تحمل المسؤولية مبكرا، فأصبحت تبدو وكأنها في سن الرشد قبل أوانها. والد أبنائها _سامحه الله_ آثر الهروب من مسؤولياته الأسرية، فتركها كالمعلقة، فلَا هو رمى عليها يمين الطلاق لتصبح حرة طليقة تجاهه، ولا هوَ عاد إليها ليتكفل بمستلزماتها ومستلزمات عياله.
حياة كريمة
ورغم المرارات التي ذاقتها بغيابه، والغصة التي ما زالت تقف في حلقها حزنا على حبيبها الذي لم تتوقع يوما أن يهرب من مسؤوليته. كانت لا تذكر زوجها أمام أطفاله إلا بالخير. تصور لهم أن غيابه لصالحهم، وأنه غائب عن البيت ليعمل ويكد ويجتهد من أجل مستقبلهم، وأنه حتما سيعود يوما ما ليأخذهم في حضنه من جديد، ويعوضهم عن أيام غيابه الطويلة.
ويبدو أن كذبتها الصغيرة هذه صدقتها هي أيضاً، إذ ظلت تمني نفسها في كل صباح جديد بأنه يوم عودته إلى بيته _رغم علمها التام بأن عودته إليهم باتت من المستحيلات، بعد أن ترامى إلى سمعها أنه هناك في العاصمة قد اختار حياة جديدة مع إحدى فتيات المدينة اللامعات أصغر منها بعشر سنوات وأنها أنسته حتى أمه وأبيه_ فلم يعد يوما منذ ذلك الزمان لرؤيتهم.
كانت رغم كل ما تعانيه من ويلات العذاب، تحمد الله على أن المنزل الذي تقطنه هو ملكها الخاص من ميراث والدها الذي رحل عنها وهي لا تزال في أمس الحاجة إلبه، والذي طالما كان متحفظا على تزويجها من هذا الرجل، لإحساس مبكر لديه ما زالت تستغرب كيف قرأه من كتاب الغيب، بأنه ليس على قدر المسؤولية، وقد ندمت كثيرا بعد أن بانت حقيقته، كيف أنها خرجت من طوع أبيها لأول مرة في حياتها وأصرت على زواجها منه، وأن والدها لم يقبل به إلا مرغما حتى لا يقف في وجه طريق تظن ابنته أنه طريق سعادتها.
كانت السيدة نورا تمسي وتصبح على هدف واحد: هو أن توفر لأولادها حياة كريمة تعوضهم عن إحساس اليتم الذي بات يلازمهم رغم أن والدهم على قيد الحياة، كانت تتناسى متطلباتها الخاصة لتوفر لأولادها رفاهية لا تجعلهم أقل شأناً من أقرانهم، فهي يؤرقها أن يحس أبناؤها بأنهم أقل شأنا من زملائهم الآخرين، لذا تدخر كل قرش تجمعه ليظهر أبناؤها بالمظهر اللائق الذي يرفع رأسهم ولا يحسسهم بالدونية تجاه أقرانهم.
إنها تقضي الليل في تجهيز بعض المأكولات الشعبية التي تعدها للبيع، وقد رزقها الله بزبائن مداومين على محلها المتواضع معجبون بنفَسها المتميز في صنع الطعام، ثم ننهض مع أذان الفجر لتؤدي فريضة الفجر، ثم تذهب مباشرة لمحلها لتعد شاي الصباح بالحليب مع “لقمة القاضي”، حيث أصبحت لديها شريحة من العمال أدمنوا على شايها.

بقلم: مصطفى نصر







