أدبي

نوستالجيا

نوستالجيا
بقلم: شيماء حسن

كنت في العاشرة من عمري، فتاة جميلة أكبر إخوتي والحفيدة الأولى لأجدادي، وكانت أمي كل عيد تلبسني فستاني الأحمر، فقد اعتادت على شراء ذلك اللون لي لكي يظهر تورد خدودي، بالإضافة إلى زوج الجوارب البيضاء ذات الكلفة، والحذاء الأبيض اللامع ذو الأبزيم، ومن ثم تفرد لي بكرات شعري التي قامت بلفها منذ ليلة العيد لينسدل مموجًا لامعًا وذهبيًا مثل خيوط الذهب.
كنت بحمرة وجنتي وشعري الذهبي أشبه نارًا مشتعلة، أذهب مسرعة إلى بيت جدي لأمي لأعايدهم وآخذ مصروف العيد،
كان بيتهم بالطوب اللبن ذي الجدران العريضة ينقسم إلى جزئين؛ أحدهما يحتوي على غرفة الضيوف وغرفة معيشة صغيرة، وجزء آخر أسفل قليلا ننزل إليه بواسطة ثلاث درجات، يحتوي على مغسلة ودورة مياه وغرف النوم وصالة كبيرة تعد كمطبخ تحتوي على وابور وطباخة يعملان بالكيروسين، وكان هناك دهليز أسفل الدرج المؤدي لعلية المنزل به فرنين من الطين أحدهما لتسوية الخبز الفلاحي، والآخر صغير نوعًا ما تسميه جدتي صاجة وكان معدًا لشوي السمك.

حالما أصل إلى هناك تقبلني جدتي التي أشبهها وكأنني نسخة مصغرة منها، أنزل درجات السلم لأجد بالصالة الكبيرة حلة مقلوبة على غطائها، فقد كانت جدتي فور تسوية الملفوف تقلبه هكذا رأسًا على عقب، لم أكن أعلم السبب حينذاك ولكنني حين كبرت وتزوجت أصبحت أفعل هذا الأمر تلقائيًا لأكتشف أنه يُحسن من تسوية الملفوف ويعطيه نفسًا جيدًا، أنادي على جدتي لأسألها عن تلك الحلة فتقوم بإعادتها لحالتها، وتغرف لي طبق من الملفوف وتضع لي فوقه قطعة كبيرة من اللحم لأتناوله بنهم الجائعين.

لم أذق في حياتي مثل طعام جدتي لأمي، حتى طعام أمي رغم حبي له لم يكن في روعة طعام أمها، ثم أصعد إلى غرفة المعيشة لتقدم لي صينية تحتوي على ما لذ وطاب من حلوى وسوداني وترمس وشيكولاتة، أتذكر أيضًا أنها الوحيدة التي أكلت من يديها تلك الحلبة التي يرشونها بالمياه ويدعونها تنبت في مصفاة، بالإضافة إلى قطع الفاندام الشهية التي أظل ألوكها حتى تتساقط عصارتها بجانب فمي، وبعد ما أنتهي من كل ذلك أتجه لطبق المهلبية بالزبيب والمكسرات ألتهمه على آخره، ثم أنزل الثلاث درجات لأغسل يدي وفمي على المغسلة من أثر الحلوى وأعود مرة أخرى للصالة الصغيرة بالجزء العلوي لأجد جدي قد أتى من الخارج ليعطيني مصروفي نصف جنيه “يذبح الكتكوت” كما كانوا يقولون وقتها على النقود الجديدة، ومن ثم أودع جدتي فتملأ لي حقيبتي الصغيرة بالحلوى وأتمسك بيد جدي ليعيدني معه إلى بيتي بعد مروري معه على باقي خالاتي أولًا ليعطونني مصروفي هم أيضًا.

وفي الطريق، يرتفع نداء الحق بآذان الظهر فيدخلني جدي معه إلى داخل المسجد ويجلسني بركن قصي حتى يفرغ من الصلاة، ثم نعاود رحلتنا حتى أصل إلى بيتي وينتهي العيد،
فكان العيد لدي هو تلك الزيارة الصباحية، وصينية الحلوى، وملفوف الكرنب واللحم، والنصف جنيه الذي لطالما تساءلت وجال بخاطري كيف له أن يذبح الكتكوت.

وما زال العيد متوقفًا عند تلك الأيام، لم يزرني يومًا بعد ما كبرت، وها قد رحل جدي منذ عام عن الدنيا وانتقلت جدتي للعيش مع خالتي الكبرى، وصار البيت الوحيد الذي قضيت فيه أسعد أيام طفولتي فارغًا، فلم يرزق جدي بالبنين ليعمروه من بعده، وأصبح قلبي فارغًا مثله إلا من الحنين لتلك الأيام التي ولت ولن تعود.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي