في المقال الثاني حول الصور والأخيلة في التجربة الأدبية نتناول مفهوم الخيال الأدبي لنعرف أولا ما هو الخيال. هل الخيال هو الصورة الفنية من تشبيه إلى استعارة إلى كناية، أم هو شيء آخر. وما هو دوره في وصول النص للمتلقي بأكبر قدر من التأثير؟. ثم نتوقف بعدها فيما يلي من المقالات عند أنواع الصور الأدبية وأثرها في وصول المعاني للمستقبل في صورة مجسدة ومشخصة إن شاء الله.
فالخيال، هو أساس العمل الأدبي، إذ يتناول الأديب أحداثا تشبه حوادث حياتنا اليومية العادية. لكن الأديب ليس كالصحافي في الالتزام بنقل الحدث بتفاصيله الدقيقة كما حدث في الواقع بتجرد وأمانة، بل يجوز له مزج الواقعي بالخيالي، فيضع في تصويره للحدث جزءاً من خياله، وهو جانب من الجوانب مخبوء بعقله الباطن منذ طفولته عندما كانت جدته تحدثه ببعض القصص الأسطورية عن الشاطر حسن، والأميرة ست الحسن والجمال في حواديت ما قبل النوم، ممتزجةً ببعض الحيوانات والعوالم الخرافية الساحرة، كرصيد مدخر يستمد منها أحداثه الخيالية في الأدب.
ولعل القرآن الكريم أورد قصصًا من الخيال قد لا يكون لها وجود في الواقع، من أجل استخلاص العظات والعبر منها، كقصة أصحاب الجنة التي وردت في الآيات من ١٧ إلى ٣٣ من سورة القلم التي قال فيها المولى سبحانه وتعالى: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ
إلى قوله تعالى: عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ). فسواء كانت القصة قبل الإسلام أو بعده، وسواء وردت في ناس من الحبشة كما ذكر بعض المفسرين، أو من منطقة (بني حشيش) باليمن كما ذكر آخرون، أو قد تكون قصة فقط للعبرة كما يقول فريق آخر، فكذلك العبرة من هذه القصة أن يأخذ كفار قريش العظة من هؤلاء الناس الذين كان أبوهم مثالًا للبذل، يأخذ قوت سنته من البستان، ويوزع كل ما فاض من المحصول على الفقراء، فقال الأبناء بعد موت الأب: كان أبونا غبيا، ولن نفعل بعد اليوم فعله، سنأخذ من البستان مؤنة البيت، ثم نبيع الباقي ونستفيد به لأن عيالنا كثيرون، ونحن أولى بالفائض من الفقراء.
كل هذا التدبير ولم يذكروا مشيئة الله. عزموا على استباق الجميع والذهاب مبكرًا للحصاد قبل أن تدب في الأرض قدم. فلا مجال بعد اليوم لحصة للفقراء، لكن عند تنفيذ هذا السيناريو المفترض ذهبوا إلى الأرض فوجدوها قد احترقت ولم يبق لهم محصول جزاء عزمهم حرمان الفقراء من ريعها.
السمات الفنية في صياغة الأقصوصة
والآن، في ضوء هذه النصوص، يحسن بنا أن نتجه إلى تبيين السمات الفنية في صياغة الأقصوصة من حيث بنائها؛ بداية، ووسطا، وخاتمة. ومن حيث سائر العناصر المتصلة بها من شخوص، وأحداث، ومواقف. ثم من حيث لغتها، حوارا وسردا.
وأول ما يواجهنا من سمات (الفن) فيها أن القصة لم تحدثنا بكل شيء في البداية، بل احتفظت ببعض أسرارها في الجزء الثاني من القصة، وبخاصة في عنصر (الحوار) الذي كشف بعض تلك الأسرار وذلك بعد أن أبيدت المزرعة، حيث ترك لذهاب المزرعة عنهم ردود فعل متنوعة ألقت الضوء الكامل على شخصياتهم كما سنرى.
والمهم، أن الدلالة الفكرية للقصة وما تنطوي عليه من أغراض يستهدفها النص القرآني الكريم، هو الذي يفسر لنا أهمية مثل هذا البناء الفني الذي يستخدم عنصر التشويق والمماطلة والمفاجأة في تثبيت المفاهيم المستهدفة.
فإلى جانب الجزء المروي من الأقصوصة والذي يعرف تفاصيله القارئ، كان هنالك تدبير الله يسري خلف القارئ. إذ تفاجئنا الحبكة القصصية بأن (حاصبا) من السماء نزل على المزرعة وجعلها سوداء مفحمة. وترك الله تعالى لخيال القارئ تصور حقيقة هذا الحاصب، هل صاعقة نزلت بالحديقة، أم نجم حارق، أو هو مقذوف أو قنبلة؟!.
ثم تنتهي الأقصوصة بجانب حواري بين الأخوة الثلاثة وهم يتلاومون. يتضح لنا من الحوار أن أوسطهم هو النموذج الأفضل من حيث التركيبة الوجدانية الأقرب للصلاح من أبيه. أنه جاراهم في هذا السيناريو مضطرًا، ولم يكن مقتنعا بهذا الفعل الشنيع منذ أول وهلة. لقد قال لهم كما كشفت لنا الآيات: ألم أقل لكم ابتداءً بخطأ فعلكم؟ ثم دعاهم للتوبة والاستغفار فعسى أن يعوضنا الله تعالى بأفضل مما أخذ منا.
يذكر أن هذه القصة احتوت على كل خصائص وشروط الأقصوصة سابقة النقد الأدبي الغربي الذي يدعي أنه واضع هذه الخصائص والشروط بأربعمائة وألف سنة. نلاحظ فيها كل شروط الإيجاز من وحدة الحدث، حيث لم يتجاوز الحدث حدود الحديقة وما جرى فيها من دمار تام. كما راعت الأقصوصة وحدة (الزمكان). فمن حيث الزمان لم تتعد بداية الحدث ونهايته 24 ساعة فقط بل ربما أقل، حيث خططوا وتناقشوا حول خطة تخطي الفقراء في اليوم السابق، ثم في الثلث الأخير من الليل فوجئوا بالحريق الذي قضى على الأخضر واليابس.
أما من حيث المكان، فإن مواقع حدوث الحدث لم تتعد الثلاثة إلى خمسة مشاهد فقط، أولها: مشهد المزرعة أيام حياة الأب في السابق وهو يراعي حق الفقراء فيما رزقه الله تعالى من النعم. هنا نلاحظ البركة في شكل محصول كثير ووفير فاضت به المخازن، وهو في الحقيقة مشهد لم يظهر لنا في النص، لكنه ورد لدى المفسرين نقلا عن نص نفس القصة كما وردت في التوراة. ثم المشهد الثاني: وهو اجتماع الأبناء للاتفاق على الخروج مبكرا قبل استيقاظ الفقراء، وحصد ونقل المحصول ليلا والناس نيام. أما المشهد الثالث: فهو مشهد كوميدي يوضح خروج أصحاب الجنة في ظلام الليل وهم يتهامسون ويسيرون دون جلبة ولا ضوضاء حتى لا يسمعهم الفقراء وهم مدلجون للحصاد في سرية تامة. والمشهد الرابع والأخير مكون من شقين، أولهما: المفاجأة الصادمة التي لم يكن يتوقعها أصحاب الجنة ولم تخطر لهم على بال، وهي احتراق المزرعة عن بكرة أبيها وتحولها إلى رماد، والشق الثاني: هو الحوار الذي دار بينهم وكل وواحد منهم يحاول إلقاء اللوم على الآخرين. لعل الأمر الإيجابي بعد الندم الكبير في المشهد هو عودتهم إلى جادة الصواب، وتواصيهم بالاستغفار والابتهال لله تعالى بأن يعوضهم بأفضل مما ضاع منهم.
كما نلاحظ أيضا عنصر التركيز والاختصار الذي هو من أهم سمات الأقصوصة. حيث لم تتطرق القصة لأي حدث آخر غير الحدث الرئيس، وهو قصة أصحاب الجنة فقط، كما أدى التركيز أيضا لمحدودية الشخوص حيث لم يتعد أبطال القصة ثلاثة أشخاص فقط. وقد عكس لنا الحوار في آخر النص بعض الخصائص النفسية لأبطال القصة.
وقريب من ذلك روعة الحوار بين أصحاب الجنتين في سورة الكهف بداية من قوله تعالى: (وَاضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا* كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِّنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً) ” 32” إلى قوله تعالى: (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا} (ي44). ونشاهد من خلال زوم كاميرا التصوير السينمائية التي رصدت لنا حالة (النفخة الكدابة) لصاحب البستان الذي منَّ الله تعالى عليه بمحصول وفير، لكنه لم يقابل هذا الرزق بشكر النعمة، وصورت له نفسه المريضة إنما كل هذا الرزق باجتهاده الشخصي، وليس بتوفيق الله وعونه، فوصل إلى نفس مصير (أصحاب الجنة) فأصبح يقلب كفيه ندما على ضياع كل جهوده سدى، عندها لم يجد شيطانه الذي دفعه لكل ذلك الصلف والغطرسة لينصره على قضاء الله وقدره، فأصبح من النادمين.